أخبار العالم

دعوات للطوارئ في 20 دولة.. لماذا تتجه الاستعدادات إلى الحرب الرقمية؟

دعت 20 دولة، من بينها دول في الاتحاد الأوروبي واليابان، إلى تكوين مخزونات طوارئ، فيما أوصت دول عدة مواطنيها بالاحتفاظ في منازلهم بمؤن غذائية وحقيبة طوارئ تكفي 72 ساعة. وتتزامن هذه الدعوات مع تصاعد الحروب والاضطرابات ومحاولات التشويش على أنظمة الملاحة والهجمات السيبرانية في مناطق مختلفة من العالم، بينما يرى خبراء أن التحركات لا تعني بالضرورة الاستعداد لحرب عالمية ثالثة، بل تعكس انتقال الاستعدادات الأمنية نحو الحرب الهجينة والتهديدات الرقمية.

وتأتي هذه الدعوات في وقت تشهد فيه أوروبا اضطرابات في الشوارع، من فرنسا وإيطاليا إلى بولندا، بالتوازي مع تطورات غير اعتيادية على امتداد ساحات إسرائيل وسوريا والأردن والخليج ولبنان واليمن. كما سُجلت محاولات واسعة النطاق للتشويش على نظام تحديد المواقع العالمي «GPS»، استهدفت دولًا من بينها تركيا ولبنان وسوريا والعراق والأردن والكويت والإمارات وقطر.

قراءة تتجاوز الأحداث المنفصلة

وقال أستاذ العلاقات الدولية البروفيسور الدكتور إسماعيل إرماجان إن العالم يمر بـ«انكسار جذري»، متسائلًا عما إذا كانت جهة ما تعمل على إرباك النظام العالمي. وأضاف أن التطورات التي ظهرت على محاور بريطانيا واليابان وبولندا ومنصة بينانس ومدريد وباريس لا ينبغي قراءتها كحوادث منفصلة، بل باعتبارها علامات على مرحلة يعاد فيها تشكيل النظام العالمي.

وأوضح إرماجان أن العالم لا يعيش صراعًا على النفوذ فحسب، بل يمر بمرحلة تتغير فيها، في الوقت نفسه، منظومات الأمن والتمويل والتكنولوجيا والمؤسسات الدولية. وحدد ثلاثة مؤشرات رئيسية على ذلك:

أولًا، تغير البنية الأمنية: فقد وقعت بريطانيا وبولندا في 27 أكتوبر خطة تعاون دفاعي تشمل الأنظمة غير المأهولة، والدفاع الجوي، والأمن السيبراني، وإنتاج الذخائر. ويرى الخبير أن الاتفاق يعكس محاولة أوروبية لإعادة تنظيم القدرات الدفاعية في مواجهة التهديد الروسي.

ثانيًا، صعود آسيا والمحيط الهادئ مركزًا جيوسياسيًا: إذ تكشف الشراكة البريطانية اليابانية في مجال الأمن الاقتصادي، إلى جانب التقارب الياباني الألماني، أن المعادن الحيوية وأشباه الموصلات والذكاء الاصطناعي وسلاسل الإمداد لم تعد ملفات اقتصادية فقط، بل تحولت إلى قضايا استراتيجية.

ثالثًا، تراجع الثقة بالنظام المالي: فقد أُثير في 30 أكتوبر موضوع اختراق أمني قُدرت قيمته بنحو 6.3 مليارات دولار في منصة بينانس للعملات المشفرة، بينما ناقشت مجموعة العمل المالي «FATF» في اجتماعها بباريس مكافحة غسل الأموال والجرائم المالية عبر الأصول المشفرة.

قال إرماجان إن التطورات التي تبدو مستقلة عن بعضها تستند إلى أرضية استراتيجية مشتركة، إذ تسعى القوى الكبرى إلى تقليص اعتمادها على الآخرين، وتضييق هامش حركة منافسيها في النظامين الاقتصادي والعسكري المقبلين.

ويقسم الخبير المشهد إلى ثلاثة أطراف رئيسية. في المقدمة تأتي الولايات المتحدة وحلفاؤها، الذين يحولون شبكات التكنولوجيا والتمويل والأمن إلى أدوات تفوق استراتيجية. وفي المقابل، تختبر الصين وروسيا حدود النظام القائم على المركزية الغربية، بينما تعمل القوى المتوسطة في أوروبا وآسيا على تطوير شراكات أمنية واقتصادية جديدة، بدل الاعتماد على مركز واحد.

ويرى إرماجان أن هذا المناخ يجعل الهجمات المالية وأزمات الأمن السيبراني واتفاقيات الدفاع والتنافس على التقنيات الحيوية جزءًا من واقع لا يمكن تجاهله. وفي تقييمه لموقع تركيا، قال إن البلاد لا تبرز بوصفها قوة عسكرية فقط، بل تتجه إلى لعب دور مؤثر في أمن الطاقة والتمويل الرقمي والذكاء الاصطناعي والصناعات الدفاعية وممرات النقل والإمداد. ودعا إلى الاستعداد لصراع متعدد المراكز والجبهات من دون تبديد الموارد المالية والثقافية، معتبرًا أن النظام القديم يتفكك بينما لم تُكتب قواعد النظام الجديد بعد.

تشابه مع ما قبل الحرب العالمية الثانية

أما الخبير الأمني والعميد المتقاعد الدكتور المشارك فخري إيرنل، فيرى أن الظروف الراهنة تشبه إلى حد ما المرحلة التي سبقت الحرب العالمية الثانية. وقال إن بولندا تمثل أحدث أمثلة خطوط التوتر المتصاعدة، في إشارة إلى أزمة سياسية وُصفت في المصدر بأنها «أزمة انقلاب».

وأضاف أن الاضطرابات في فرنسا وبلجيكا وإيطاليا، إلى جانب الدعم البريطاني لأوكرانيا وزيادة ميزانيات الدفاع، أدت إلى خفض الإنفاق أو الخدمات في مجالي التعليم والصحة، وهو ما أسهم في تأجيج التوترات الاجتماعية. كما ذكر أن الشباب في صربيا أنهوا، عبر حركة بلا قيادة، حكمًا استمر 12 عامًا.

وبحسب إيرنل، تتقدم في المقابل مقاربات تركز على احتياجات السكان في مواجهة السياسات الأمنية، فيما يحاول قادة مثل بنيامين نتنياهو ودونالد ترامب توجيه المجتمعات عبر تكوين إدراك بوجود تهديدات.

وربط الخبير ارتفاع نسبة نتنياهو في استطلاعات الرأي باستراتيجية داخلية، قال إنها استفادت من توقيت «تحالف مكة» وجعلت البنية السنية بالكامل هدفًا لإسرائيل. كما أشار إلى أن وصول الأحزاب العربية في إسرائيل إلى عدد قياسي من المقاعد البرلمانية، إلى جانب اختلاف معدلات النمو السكاني، يثير قلقًا ديموغرافيًا لدى الأوساط الصهيونية.

الاستعدادات تركز على انقطاع البنية التحتية

ولا يعتقد إيرنل أن العالم يقف على أعتاب استعداد شامل لحرب عالمية، لكنه أكد أن التحضيرات في مجالات الأمن السيبراني والحرب الإلكترونية والدفاع المدني ازدادت بوضوح. وقد دعت إستونيا ولاتفيا وليتوانيا وبريطانيا وفرنسا وألمانيا والسويد والنرويج وتايوان واليابان مواطنيها إلى الاحتفاظ في منازلهم بحقيبة طوارئ ومؤن غذائية تكفي ثلاثة أيام على الأقل.

ويتمثل الهدف الأساسي من هذه الاستعدادات المدنية في تحديث إرشادات تعود إلى فترة الحرب العالمية الثانية، بما يساعد على مواجهة هجمات إلكترونية محتملة أو انقطاعات في البنية التحتية. وفي الشرق الأوسط وأوروبا، تستخدم الجيوش الحرب الإلكترونية بصورة متزايدة بدل الدخول في مواجهات مباشرة، بما يشمل التشويش على إشارات «GPS» وأساليب التضليل أو «الانتحال» التي تقدم بيانات ملاحة زائفة.

وخلص الخبير الأمني إلى أن الدول تستعد لهجمات سيبرانية واسعة قد تؤدي إلى تعطيل الأنظمة الرقمية، ولأساليب الحرب الهجينة التي تستخدم أدوات غير عسكرية مباشرة. ورغم عدم ترجيح اندلاع حرب عالمية ثالثة كبرى، فإن كل دولة تتحرك أولًا لحماية مصالحها، بما في ذلك عند النظر إلى الاتفاقات التي قد تعقدها الولايات المتحدة وروسيا بينهما.

المصدر: Türkiye Gazetesi

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى