ترفيهمنوعات

لغة بلا كلمات.. تقليد عمره 500 عام ما زال يتردد في جبال إسبانيا

في جزيرة إسبانية صغيرة، لا تحتاج الرسائل دائمًا إلى كلمات حتى تصل إلى أصحابها. ففي جزيرة لا غوميرا التابعة لجزر الكناري، ما زالت تقاليد قديمة تعتمد على الصفير وسيلة للتواصل بين السكان، في ظاهرة ثقافية نادرة لفتت الانتباه لقرون.

ويُعرف هذا النظام باسم سيلبو غوميرو (Silbo Gomero)، وهو ليس مجرد إطلاق صفارات عشوائية، بل طريقة تواصل متكاملة يمكن من خلالها تحويل أصوات اللغة المنطوقة إلى إشارات صوتية تصل إلى مسافات بعيدة.

كيف ظهرت لغة الصفير؟

ترتبط قصة سيلبو غوميرو بالطبيعة الجبلية القاسية للجزيرة. فالأودية العميقة والمنحدرات الوعرة كانت تجعل التواصل بين السكان أمرًا صعبًا، خصوصًا عندما تفصل مسافات كبيرة بين القرى والمناطق السكنية.

ومع مرور الوقت، اكتشف السكان أن الصفير يمكن أن ينتقل عبر التضاريس الجبلية لمسافات أبعد من الصوت البشري العادي، فبدأ استخدامه لإيصال الرسائل بدلًا من قطع مسافات طويلة للوصول إلى الطرف الآخر.

ليست صفارات عشوائية

ما يجعل هذه الطريقة مختلفة هو أن الصفير يحمل معنى محددًا. إذ تعتمد الطريقة على تغيير نبرة الصوت وإيقاعه ومدته لمحاكاة أصوات اللغة المنطوقة، ما يسمح للمستخدمين المدربين بتحويل الكلمات والعبارات إلى رسائل يمكن فهمها من الطرف الآخر.

وبهذه الطريقة، أصبح بإمكان السكان قديمًا نقل الأخبار والمعلومات والتواصل بشأن احتياجاتهم اليومية عبر الوديان، دون الحاجة إلى الاقتراب من الشخص الذي يريدون مخاطبته.

التكنولوجيا كادت تنهي التقليد

مع ظهور الهاتف ووسائل الاتصال الحديثة، تراجع الاعتماد على سيلبو غوميرو، وأصبح هذا التقليد مهددًا بالاندثار بعدما لم تعد الحاجة العملية إليه كما كانت في الماضي.

لكن سكان الجزيرة اتخذوا خطوات للحفاظ عليه ونقله إلى الأجيال الجديدة. ومنذ عام 1999 بدأ تعليم سيلبو غوميرو في المدارس، الأمر الذي ساعد على إبقاء هذا النظام اللغوي حاضرًا بين الأطفال والشباب.

 

تراث عالمي تحت حماية اليونسكو

لم يقتصر الاهتمام بهذا التقليد على سكان لا غوميرا، إذ حصل سيلبو غوميرو على اعتراف دولي عندما أدرجته اليونسكو عام 2009 ضمن القائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي للبشرية.

وتعكس هذه الخطوة أهمية الحفاظ على النظام الذي نشأ استجابة للظروف الجغرافية للجزيرة، قبل أن يتحول مع مرور الزمن من وسيلة اتصال ضرورية إلى جزء من الهوية الثقافية المحلية.

تقليد قديم في مواجهة العصر الحديث

ورغم أن الهواتف والإنترنت جعلا التواصل أسرع وأسهل بكثير، فإن سكان الجزيرة لم يتخلوا تمامًا عن سيلبو غوميرو. فتعليمه في المدارس والمحافظة عليه ضمن الأنشطة الثقافية يساعدان في إبقاء هذه الطريقة القديمة حية.

وتبقى قصة لغة الصفير في لا غوميرا مثالًا لافتًا على قدرة الإنسان على ابتكار وسائل للتواصل تتناسب مع البيئة المحيطة به، كما تكشف كيف يمكن لتقليد بدأ لحاجة عملية أن يتحول بعد مئات السنين إلى جزء ثمين من التراث الثقافي.

المصدر: تركيا عاجل

رابط الخبر الأصلي والصور: Ensonhaber

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى