التصنيفات: ترفيه

أطول حدود في العالم تكشف أسرارها جيوب معزولة ومكتبة يقسمها الخط الدولي

رغم أن الحدود بين الولايات المتحدة وكندا تبدو مستقيمة وواضحة على الخرائط، فإن الخط الفاصل بين البلدين، الذي يمتد بطول 5525 ميلاً ويُعد أطول حدود مشتركة بين دولتين في العالم، يخفي عدداً من الحالات الشاذة التي تعود إلى أخطاء بشرية وقعت أثناء رسم الحدود خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر. فقد تم ترسيم هذه الحدود في معظمها دون الاستعانة بالتقنيات الحديثة، واعتمدت على العمل الميداني المباشر الذي قامت به فرق المساحة في ذلك الوقت، ورغم الجهود الكبيرة التي بذلتها تلك الفرق، إلا أن الأخطاء البشرية أدت إلى ظهور خط حدودي، تُحدده شريط أرضي بعرض 20 قدماً من الأراضي المزالة يعرف باسم “ذا سلايش”، يتضمن عدة خصائص غير معتادة.

شبه جزيرة معزولة وطرق عابرة للحدود

عندما تم تمديد الحدود على طول خط العرض 49 في عام 1846، لم يدرك أحد في البداية أن هذا الخط سيفصل شبه جزيرة بوينت روبرتس عن البر الرئيسي للولايات المتحدة. فشبه الجزيرة الصغيرة التي تبلغ مساحتها 5 أميال مربعة فقط، متصلة جغرافياً بكندا، لكنها تقع جنوب خط العرض 49 مباشرة، مما يضعها على الجانب الأمريكي من الحدود. وهذا الوضع يجعل بوينت روبرتس جيباً معزولاً، أي منطقة منفصلة جغرافياً عن الجزء الرئيسي من الإقليم التابع له، وتحيط بشبه الجزيرة مياه مضيق جورجيا من الجنوب والغرب، وخليج باوندري من الشرق. وبما أن العديد من نحو 1000 شخص يقيمون في شبه الجزيرة على مدار العام يعملون أو يدرسون في البر الرئيسي لولاية واشنطن، فإن تنقلاتهم اليومية تستلزم المرور عبر مقاطعة كولومبيا البريطانية الكندية، وعلى الرغم من أن المسافة عبر الأراضي الكندية لا تتجاوز 25 ميلاً، فإن الذهاب والعودة يتطلبان عبور أربعة معابر حدودية دولية.

ومن الحالات الغريبة الأخرى في فيرمونت، على بُعد أقل من ساعة بالسيارة غرب مكتبة هاسكل الحرة، طريق إيست ريتشفورد سلايد الواقع في شمال الولاية. فالغالبية العظمى من الطرق بين أمريكا وكندا تخضع لرقابة حرس الحدود، لكن هذا الطريق يُستثنى من تلك القاعدة، والسبب أن الطريق الشمالي في فيرمونت يعبر إلى كيبيك لمسافة قصيرة تبلغ نحو عُشر ميل فقط قبل أن يعود إلى الأراضي الأمريكية. ولا تُظهر العديد من الخرائط هذا الطريق على أنه يعبر إلى كندا، بل تعدل مساره ليتتبع الحدود الشمالية للولاية، لكن تطبيق خرائط جوجل يُظهر المسار الفعلي للطريق كما هو عليه. ويوجد حجر حدودي على الجانب الكندي، لكنه سهل التفويت، مما يجعل بعض الأشخاص ربما قادوا على هذا الطريق دون أن يدركوا أنهم غادروا الولايات المتحدة وعادوا إليها مرة أخرى لفترة وجيزة.

مبانٍ تعبرها الحدود وأقاليم مقسمة بين دولتين

في حين يمر جزء كبير من الحدود الأمريكية الكندية عبر مناطق برية، توجد بعض البلدات وحتى المباني التي تتوسطها الحدود مباشرة. ومن أبرز هذه المباني مكتبة ودار أوبرا هاسكل الحرة، التي تقع على الخط الفاصل بين بلدة ستانستيد في كيبيك وبلدة ديربي لاين في فيرمونت، فالمبنى الذي افتُتح عام 1904 يقع مدخله على الجانب الأمريكي، لكن معظم الكتب موضوعة على رفوف في الجانب الكندي. أما في دار الأوبرا، فالمقاعد تقع في معظمها داخل الأراضي الأمريكية، بينما المسرح في الأراضي الكندية، ويوجد حتى خط أسود مرسوم على الأرضية ليعرف الزوار بالضبط أين تمر الحدود. ولعقود من الزمن، كان يُسمح للرواد الكنديين بعبور الحدود دون تفتيش للدخول عبر المدخل الموجود في أمريكا، مع تنبيه جميع الزوار إلى ضرورة حمل هويات مناسبة في حال مرور دوريات الحدود الأمريكية أو الشرطة الملكية الكندية. لكن هذا الوضع تغير في عام 2025، حيث فرضت لوائح أكثر تشدداً لم تعد تسمح للكنديين بعبور الحدود بحرية، ومع ذلك، لم تتراجع إدارة المكتبة عن مهمتها، إذ صرحت رئيسة مجلس إدارة المكتبة سيلفي بودرو قائلة: “كانت المهمة توحيد المجتمعين والبلدين، وما زلنا عازمين على القيام بذلك”، وأُطلقت حملة لجمع التبرعات، وتحول المخرج الطارئ على الجانب الكندي إلى مدخل رسمي مناسب.

فإن الحدود الأمريكية الكندية تشمل أيضاً حالات شاذة أخرى مثل الزاوية الشمالية الغربية، التي توقف عندها الجزء المستقيم من الحدود عند الجانب الشرقي عند بحيرة الغابة بين مينيسوتا ومانيتوبا، ومن هناك تبدأ الأمور في التعقيد على الفور. ففي ثمانينيات القرن الثامن عشر، عندما كان يتم رسم الحدود، تقرر أن ينتقل الخط من بحيرة الغابة غرباً مباشرة حتى منبع نهر المسيسيبي، لكن في عام 1798، اكتُشف أن الخريطة المستخدمة آنذاك، التي رسمها جون ميتشل عام 1750 وكانت تعتبر الأكثر دقة في ذلك الوقت، كانت خاطئة. فلم تكن بحيرة الغابة على شكل بيضة بسيط كما هو مرسوم، بل إن منبع نهر المسيسيبي كان في الواقع أبعد جنوباً بكثير مما أظهرته الخريطة، وأدى ذلك إلى مفاوضات استمرت سنوات بين الدبلوماسيين الأمريكيين والبريطانيين، إذ لم تكن كندا قد نالت استقلالها بعد. وعندما حُسمت الحدود أخيراً في عام 1842، كانت قطعة صغيرة من مينيسوتا قد انقطعت عن بقية الولايات المتحدة، وعُرفت هذه المنطقة باسم الزاوية الشمالية الغربية، وعرضت كندا شراء قطعة الأرض الواقعة على حافة البحيرة، لكن أمريكا رفضت البيع. وتُعد الزاوية الشمالية الغربية الجزء الوحيد من الولايات المتحدة المتجاورة الذي يقع شمال خط العرض 49، ولا يمكن الوصول إليها براً إلا عبر المرور بالأراضي الكندية، وتبلغ مساحة هذه القطعة من الأرض نحو 123 ميلاً مربعاً، ويقطنها وفق تعداد 2020 نحو 149 شخصاً.

وتقسم الحدود الأمريكية الكندية أيضاً إقليم أكويساسني، وهو أراضٍ تابعة لأمة الموهوك، مما يزيد الأمور تعقيداً، لأن هذا الإقليم ينقسم أيضاً على الجانب الكندي بين مقاطعتي أونتاريو وكيبيك. وبما أن مجتمع السكان الأصليين كان قائماً بالفعل عندما كان يتم رسم الحدود الدولية، وُقعت معاهدة جاي عام 1794، التي سمحت لشعب الموهوك بالعيش والعمل والسفر بحرية بين البلدين، وعلى حد قول فيليب كاكويرانون كوك، الرئيس السابق لمجلس قبيلة سانت ريجيس موهوك، فإن الروايات الشفهية تقول إن “الحدود كانت تصل إلى حافة أراضي المحمية ثم ترتفع ثمانية أقدام في الهواء حتى تبلغ الجانب الآخر من الأراضي الهندية ثم تعود إلى الأسفل إلى الأرض”. ورغم وجود بعض العلامات المتناثرة في المنطقة، فإن معظم الناس لا يدركون حتى أنهم عبروا الحدود الدولية، فالخط الحدودي يمر مباشرة عبر عدة مبانٍ، وقال أحد سكان أكواسيسني ويدعى أريحوني ديفيد، الذي يعبر الحدود يومياً: “الحدود غير موجودة بالنسبة لنا”.

وفي أقصى الطرف الشرقي للحدود الأمريكية الكندية، ينحني الخط الفاصل حول ولاية مين قبل أن ينخفض مجدداً على طول الساحل، وتؤدي هذه الحدود إلى أن جزيرة كامبوبيلو في نيو برونزويك، التي يقطنها نحو 900 شخص على مدار العام، يمكن الوصول إليها بسهولة أكبر من البر الرئيسي الأمريكي. فخلال معظم أيام السنة، يُعد جسر فرانكلين ديلانو روزفلت التذكاري، الذي يربط الجزيرة الكندية ببلدة لوبيك في مين، المعبر الوحيد للوصول إلى الجزيرة، مع توفر خيار العبارة خلال أشهر الصيف. وفي عام 1936، وصف الرئيس فرانكلين روزفلت الحدود بأنها “أعظم نصب تذكاري للسلام والصداقة الاقتصادية والاجتماعية بين الجيران في العالم كله”، وعلى الرغم من فخره بأنها “3000 ميل من الصداقة دون أسلاك شائكة أو أسلحة أو جنود أو جوازات سفر على طول الحدود بأكملها”، فإن كل شخص يعبر الجسر الذي سُمي تكريماً له وافتُتح عام 1962، يخضع الآن للتفتيش في نقاط مراقبة الحدود.

شارك هذا المقال مع أصدقائك من خلال:
كلمات مفتاحية: الحدود

أحدث المقالات

الكابوس ليس حصاناً كائنات الليل الشيطانية التي أرعبت أوروبا وجسّدتها لوحة فوسيلي

خلافاً للاعتقاد الشائع، فإن كلمة «mare» في المصطلح الإنجليزي لكلمة كابوس «nightmare» لا تشير إلى…

7 دقائق مضت

اختبار ثقافي في ذكرى 22 أغسطس من معركة بوسورث إلى ميلاد راي برادبري

يحمل يوم 22 أغسطس أهمية تاريخية خاصة، إذ يشهد ذكرى ميلاد شخصيات ثقافية بارزة مثل…

21 دقيقة مضت

هذا الموقع يستخدم ملفات تعريف الارتباط لتقديم تجربة أفضل للمستخدم

اقرأ المزيد