تمتعت المرأة في مصر القديمة بحقوق تفوق ما تتمتع به نساء كثيرات في العصر الحديث، إذ كانت تحظى بالتقدير والاحترام وكانت مكانتها القانونية مماثلة لمكانة الرجل إلى حد كبير. فكان بإمكان المرأة المصرية القديمة امتلاك الممتلكات وبيعها، ومقاضاة الآخرين أو أن تُقاضى، والمشاركة في عمل هيئات المحلفين، وحرمان الأبناء من الميراث، والمبادرة إلى الطلاق مع الاحتفاظ بحقوقها في الممتلكات، والتوقيع على الوثائق الرسمية. وهذا الفارق كان صارخاً مقارنةً بالمرأة في اليونان القديمة، حيث لم تكن معظم هذه الحقوق متاحة للمرأة دون دعم من الذكور في عائلتها. بل إن العديد من النساء في أوروبا لم يحصلن على حقوق مماثلة إلا بعد آلاف السنين. كما تشير الأدلة إلى أن الإجهاض والعلاقات الجنسية قبل الزواج كانا مقبولين وغير موصومين بالعار في المجتمع المصري القديم.
غير أن مجال العمل كان أحد المجالات التي شهدت فارقاً واضحاً بين الجنسين في مصر القديمة. فقد كانت معظم النساء المصريات قديماً ربات بيوت، يتولين مسؤولية إدارة شؤون المنزل ورعاية الأطفال. وبشكل عام، شغلت النساء مناصب سلطوية أقل بكثير من الرجال، وكانت فرص العمل المتاحة أمامهن أضيق نطاقاً. ومع ذلك، كان يُسمح للمرأة بالعمل وامتلاك المشاريع التجارية والممتلكات، وتولي أدوار متنوعة في المجتمع. ولعبت الطبقة الاجتماعية دوراً أكبر من النوع الاجتماعي في تحديد فرص المرأة وسبل عيشها، إذ كان غالبية سكان مصر القديمة من الطبقة غير المتعلمة التي تعمل في الحقول. في المقابل، كانت نساء الطبقات العليا يتمتعن بفرص أوسع للحصول على التعليم والمعرفة، بل وبالوصول إلى السلطة السياسية أيضاً.
وكان من الممكن للمرأة أن تتولى الحكم بالفعل، فقد تولت نساء منصب فرعون مصر. وتُعتقد أن أول ملكة حكمت مصر القديمة هي نيت إقرت، التي حكمت في الفترة من 2148 إلى 2144 قبل الميلاد. أما أشهر فراعنة مصر فقد كانت حتشبسوت، التي حكمت من حوالي 1479 إلى 1458 قبل الميلاد، والتي اشتهرت بارتدائها ملابس الفراعنة الرجالية، وتُعد على نطاق واسع واحدة من أعظم القادة في تاريخ مصر. أما نساء الطبقات الدنيا، فكن يوازنّ في الغالب بين العمل في الحقول والمسؤوليات المنزلية. وفي منتصف السلم الاجتماعي، عملت النساء كنسّاجات وصانعات حرف وخبازات، وبعضهن، اعتماداً على طبقة كل منهن ومكانتها، أتيحت لهن فرصة تولي الأدوار السبعة التالية.
كان الدور الأكثر شيوعاً للمرأة في مصر القديمة هو الاعتناء بالمنزل. فكانت المرأة مسؤولة عن إيقاظ أفراد أسرتها، والحفاظ على نظافة المنزل، وإعداد الوجبات، والعناية بالحديقة، والنسيج، والخياطة، وتنويم الأطفال، وجميع المهام الأخرى التي تتطلبها إدارة شؤون البيت. وكانت النظافة تحظى بتقدير بالغ في مصر القديمة، لذا كانت إدارة المنزل مهمة شاقة وتتطلب دقة متناهية. كما كانت النساء مسؤولات في كثير من الأحيان عن الحفاظ على مذابح منازلهن، وهو ما كان يتضمن تقديم القرابين والصلوات اليومية لإله أو إلهة المنزل الحامية.
وبعض النساء كن يعملن أيضاً من المنزل، فيصنعن الصنادل أو ينسجن السلال أو يشكلن المجوهرات لجلب دخل إضافي. وفي الأسر الفقيرة، كانت النساء تساعدن عادةً في الأعمال الزراعية. أما في الأسر النبيلة، فكانت النساء يُعتنى بهن على أيدي الخدم، ويحصلن على تسريحات شعر فاخرة، ويُرتدين الكتان الناعم والمجوهرات كل يوم. وكن يتمتعن بأوقات فراغ واسترخاء طوال النهار بينما يتولى الخدم رعاية الأطفال.
أخذ المصريون القدماء مسألة الموت والحياة الآخرة على محمل الجد، وكانوا يعتقدون أن خطوات محددة يجب اتخاذها حتى تولد الروح من جديد في الحياة الآخرة. وكانت جنازات الأثرياء والنبلاء شديدة الفخامة والتعقيد. وفي بعض النقوش المصرية القديمة للجنائز، تظهر نساء يعملن كنائحات محترفات بأجر، وبعضهن يبدو أنهن يرافقن أسرة المتوفى خلال موكب الجنازة. وتُظهر بعض النقوش أيضاً ثنائياً من هؤلاء “النائحات المحترفات” يرتدين تيجاناً تميزهن كرموز للإلهتين إيزيس ونيفتيس، الإلهتين اللتين نعتا الإله أوزوريس في الأسطورة التقليدية. ففي هذه القصة، عملت الإلهتان على إعادة إحيائه من خلال السفر حول العالم وجمع أعضائه، ويُقال إنهما من خلال جهودهما أعادتا له الحياة وأعادتا التوازن إلى العالم. وكانت الجنائز المصرية تكرّم هذه الحكاية من خلال توظيف نائحات لتمثيل هاتين الإلهتين، وكانت مهمتهن حماية الجسد، ومساعدة الروح في رحلتها إلى حياتها التالية.
أولى المصريون القدماء قيمة كبيرة للجعة، بل كان لديهم قصة عن أصلها تزعم أن الجعة كانت هدية من الإله أوزوريس للبشرية. كما كانت الجعة شائعة للغاية، وكانت تُعتبر مغذية، وكانت تُعطى أحياناً كأجر للعمال. وهناك أدلة على أن النساء، اللواتي كن مسؤالات عادة عن الطهي، تولين أيضاً صناعة الجعة في المجتمع المصري القديم، بل إن بعضهن كن يمتلكن ويدرن مصانع الجعة والحانات.
أشرفت العديد من النساء في مصر القديمة على إدارة منازلهن الخاصة، فتتبعن النفقات اليومية وأشرفن على صيانة وحصاد المنتجات الزراعية المزروعة في أراضيهن. وبعض النساء جعلن من ذلك مهنة، فالتحقن بالمنازل الغنية والنبيلة كمديرات للشؤون المنزلية، وكُلّفن بتنظيم الخدم، وتخطيط الفعاليات والعشاء، والتأكد من أن كل التفاصيل تسير على ما يرام. وكان هذا الدور من الأدوار التي يمكن للخادمات من الطبقات الدنيا أن يرتقين إليها أحياناً مع مرور الوقت.
تعود الأدلة على وجود طبيبات في مصر القديمة إلى عام 3000 قبل الميلاد، عندما يُعتقد أن طبيبة مجهولة الاسم أدارت مدرسة طبية في معبد نيث في مصر السفلى. ورغم أنه من المرجح أن غالبية الأطباء كانوا رجالاً، فإن التاريخ المصري القديم يحتوي أيضاً على إشارات عديدة إلى طبيبات قابلن مرضى من الذكور والإناث على حد سواء. ومثل جميع أطباء ذلك العصر، استخدمت هؤلاء الطبيبات مزيجاً من السحر والطقوس والأدوية لعلاج مختلف الأمراض. كما لعبت النساء أدواراً مهمة كممرضات وقابلات.
كانت النساء في مصر القديمة موسيقيات وراقصات ومؤديات، بعضهن كان يُستأجر للمشاركة في فعاليات القصر، وأخريات كن مرتبطات بالمعابد يعزفن الموسيقى في المناسبات الدينية والجنازات. ومن الأدوار الشائعة الأخرى للمرأة دور المغنيات المقدسات أو المرتلات في المعابد. وكثيراً ما كانت هؤلاء النساء يساعدن الكاهنات، وكان يُعتقد أن أصواتهن وأداءهن خلال المهرجانات والطقوس يسكن الغضب ويسترضي الآلهة. ويمكن لبعضهن أن يصبحن كاهنات بأنفسهن في نهاية المطاف.
أتاحت الفرصة أمام نساء الأسر النبيلة في مصر القديمة أن يصبحن كاهنات، يتولين الإشراف على المعابد ويُنظر إليهن أحياناً كأصوات للآلهة. وكُلفن بتكريم مختلف الآلهة والإلهات، من حتحور وإيزيس إلى آمون، الإله الأعظم الذي قيل إنه الإله الرئيسي لمدينة طيبة. وكانت أقوى كاهنة خلال فترة الدولة الحديثة في مصر هي “زوجة الإله آمون”، التي كانت تُعتبر ممثلة آمون على الأرض. وكان هذا المنصب يشغله أحياناً ملكات، وينطوي على إدارة طائفة آمون ومعابده، ويمكن أن يكون له تأثير كبير على الدولة المصرية أيضاً.
وكانت كاهنات مصر القديمة مسؤولات عموماً عن الحفاظ على مساحات المعابد خلال النهار وإجراء الاحتفالات والطقوس للآلهة. كما كان من المتوقع أن يحافظن على نظافة وترتيب مثاليين لأنفسهن وأماكنهن. وكان الكهنة والكاهنات يخدمون المعابد عموماً شهراً واحداً من كل أربعة أشهر، ثم يعودون إلى وظائف أخرى خلال أشهر فراغهم. وكتبت الدكتورة جوان فليتشر من جامعة يورك، وفق ما نقلته هيئة الإذاعة البريطانية بي بي سي: “بعيداً عن كونها ربة منزل وأماً، كانت المهنة الأكثر شيوعاً للنساء هي الكهنوت، لخدمة الآلهة والإلهات الذكور والإناث على حد سواء. كما أن لقب “زوجة الإله”، الذي حملته النساء الملكيات، جلب معه قوة سياسية هائلة لا تقل عن قوة الملك، الذي كان بإمكانهن حتى أن ينبن عنه. وكان للطائفة الملكية أيضاً كاهناتها، حيث عملت النساء جنباً إلى جنب مع الرجال في احتفالات اليوبيل، وإلى جانب كسب عيشهن كنائحات محترفات، كن يؤدين أحياناً وظائف الكهنة الجنائزيين”.
خلافاً للاعتقاد الشائع، فإن كلمة «mare» في المصطلح الإنجليزي لكلمة كابوس «nightmare» لا تشير إلى…
يحمل يوم 22 أغسطس أهمية تاريخية خاصة، إذ يشهد ذكرى ميلاد شخصيات ثقافية بارزة مثل…
هذا الموقع يستخدم ملفات تعريف الارتباط لتقديم تجربة أفضل للمستخدم
اقرأ المزيد