مهن البومبيين الست قبل ثوران فيزوف

في الأيام التي سبقت ثوران جبل فيزوف عام 79 ميلادية، واصل سكان مدينة بومبي الساحلية حياتهم اليومية وهم يتعاملون مع الهزات الأرضية التي لم تكن نادرة في المنطقة، متجاهلين إشارات التحذير حتى ساعة الظهر من يوم الكارثة. وفي أقل من 24 ساعة، دفن الرماد والصخور المدينة بأكملها، ولم ينجُ حتى أولئك الذين حاولوا الفرار.
وخلّدت تلك الكارثة تفاصيل دقيقة عن حياة البومبيين، لا سيما المهن التي كانوا يمارسونها صبيحة يوم الثوران. وفيما يلي أبرز تلك المهن التي تعكس ثقافة واقتصاد المدينة قبل أن يطمرها الرماد البركاني.
الفنانون والحرفيون: فسيفساء تصنعها أيدٍ ماهرة
كان صانعو الفسيفساء من أبرز الفنانين في بومبي، حيث كانوا يصممون أنماطاً معقدة باستخدام قطع صغيرة من الحجارة والزجاج تُثبَّت في الملاط. وكان الأثرياء وحدهم من يستطيعون تحمل تكاليف هذه الأعمال الفاخرة، التي تظهر فيها مشاهد للآلهة أو الكلاب أو أحداث تاريخية، وبلغت دقتها حد استخدام قطع بحجم حبات النرد. ولم تقتصر المهن الإبداعية على الفسيفساء، بل شملت أيضاً الخزافين والحدادين ونحاتي الرخام وصاغة الذهب.
الزراعة والتجارة: قمح وعنب وصوف
بفضل التربة البركانية الخصبة، انتشرت الزراعة حول بومبي، حيث زرع المزارعون القمح والشعير والخضروات كالخس والبروكلي والريحان والكراث والزيتون والعنب. وربّى المزارعون والرعاة الأغنام للحصول على الحليب واللحم والصوف، وكانت تجارة الصوف من بين الأكثر ربحاً ونفوذاً في المدينة. ومع أن معظم المزارع كانت صغيرة وتديرها العائلات، فإن بعض الفيلات الكبيرة كانت تصدّر منتجاتها وتدعم شبكات التجارة الإقليمية. كما عمل المزارعون على زراعة المحاصيل وريّها وحفظها لضمان إنتاجية الحقول والحدائق، وفق ما نقلته المصادر المتخصصة. وكانت صناعة النبيذ مهنة منفصلة ومرتبطة بالزراعة.
في قلب المدينة، كانت المخابز منتشرة، إذ مثل الخبز عنصراً أساسياً في كل وجبة. وامتلكت الأسر الغنية أفرانها الخاصة، لكن المخابز الصغيرة والكبيرة التي تضم مطاحنها الخاصة كانت الأكثر انتشاراً، خاصة قرب مركز المدينة حيث الحبوب. واستخدم البومبيون آلات عجن متخصصة لتوفير الوقت، وكان الخبازون يشكلون العجين ويختمون الأرغفة قبل خبزها. ولا يزال علماء الآثار يعثرون على أفران كبيرة في أنقاض بومبي تؤكد وجود هذه المخابز.
ولم تقتصر الكتابة على الجدران داخل المنازل، بل كانت هناك مهنة متخصصة هي “السكريبتور”، وهم الكتّاب والرسامون المحترفون الذين استُأجروا لطلاء الإعلانات والملاحظات والشعارات الانتخابية على واجهات المباني. وروّجت بعض هذه الإعلانات لفعاليات ترفيهية مثل مباريات المصارعين، بينما كانت أخرى سياسية بحتة تحث السكان على التصويت لمرشحين معينين. وكثيراً ما وقع السكريبتور أعمالهم أسوة بالفنانين المعاصرين.
ولمن يرغب في وجبة سريعة، كانت “الثرموبوليوم”، وهي حانات الوجبات السريعة التي تقدم الطعام والشراب، منتشرة في الشوارع. وخلف العدادات المطلة على الشارع كانت هناك حانات تقليدية للجلوس، وبعض العدادات كانت تحتوي على أخاديد لفحص العملات المزيفة. وكان أفراد العائلة والعمال المأجورون، ومنهم نساء يُطلق عليهن “خادمات الحانة”، والعبيد يتولون الطهي وتقديم الطعام وصب النبيذ.
أما مهنة التنظيف، فقد اضطلع بها “الفولونيون”، وهم عمال الغسيل والتنظيف الجاف في ذلك الزمن، والذين تلقوا تعليمات محددة من العملاء حول كيفية العناية بملابسهم. واستخدم هؤلاء منظفات كانت تحتوي أحياناً على البول الذي يعمل كعامل تبييض، وكانوا يراقبون حالة الأقمشة طوال عملية التنظيف التي شملت الغسيل والشطف والتجفيف والصباغة والتلبيد. وكان الفولونيون يتقاضون أجوراً جيدة، لأن الاهتمام بالمظهر كان مهماً للبومبيين والرومان القدماء بغض النظر عن الطبقة الاجتماعية. وبينما كان صاحب المحل يدير التعامل مع العملاء، كان العبيد يقومون بمعظم العمل البدني الشاق.
المصدر: mentalfloss



