يعود شغف البشر بالنودلز إلى قرون خلت، إذ يُعد أقدم طبق نودلز موثق من فترة حكم أسرة هان الشرقية في الصين (25-220 ميلادية)، حين أصبحت النودلز المصنوعة من القمح عنصراً أساسياً في الثقافة الصينية القديمة. ومع مرور القرون، انتقل فن صناعة النودلز إلى أوروبا، فتغيّر المطبخ الإيطالي خلال العصور الوسطى، ووصلت إلى ألمانيا في أوائل القرن الثامن عشر. أما الكلمة الإنجليزية “noodle” فتعود إلى القرن الثامن عشر، حيث اقتبسها الإنجليز من الألمانية “nudel”.
مهما اختلفت التسميات، يبقى حب النودلز ظاهرة تتجاوز الثقافات والحدود. وفي هذا الدليل، نستعرض أبرز الوجهات العالمية التي تقدم تجارب استثنائية لعشاق هذا الطبق، حيث تلتقي النكهات المبتكرة بالقصص التاريخية الفريدة. فإن هذا الدليل يستعرض 13 وجبة متنوعة حول العالم، من أوسلو إلى سنغافورة.
من النرويج إلى فيتنام: نكهات مبتكرة وقصص تاريخية
في أوسلو بالنرويج، يقدّم مطعم “Hrimnir Ramen” لمسة نرويجية مميزة على الرامن الياباني التقليدي، باستخدام مكونات محلية موسمية من المضايق والجبال. أسس المطعم عالم الأحياء الدقيقة النرويجي الأمريكي ديفيد كويست في عام 2019، ويولي اهتماماً خاصاً للمكونات المخمرة، مع جرار من الليمون المحفوظ والخوخ المخلل وخل الكمثرى. تصنع النودلز يدوياً في المطعم باستخدام القمح الإيمر أو “توركورنكفيت”، وهو حبوب تراثية تمنحها نكهة جوزية فريدة.
في هانوي عاصمة فيتنام، تعتبر المدينة مهد حساء الفو الشهير، وتقدم الطاهية المنزلية السيدة مينه بعضاً من أفضل أنواعه في البلاد من منزلها. باعت مينه الفو في هانوي لعقود، لكنها اضطرت لنقل نشاطها إلى داخل المنزل في عام 2017 عندما شددت المدينة القيود على الباعة المتجولين. يمكن للزوار الاستمتاع بالفو على الطريقة الشمالية التقليدية، الذي يتميز بمرق أخف وأوضح من نظيره الجنوبي، مع صلصات حارة منزلية وثوم مخلل وخيار غمس عجينة اليوتيو الصينية في المرق الساخن.
في طوكيو، يعود تاريخ متجر “Inari Soba Mansei” الصغير إلى أوائل القرن السابع عشر، حيث يظهر في أسطورة الراهب البوذي تاكوزوسو وروح الثعلب المتغيرة الشكل. يقال إن تاكوزوسو كان يرتاد هذا المتجر، وكانت العملات التي يدفع بها تتحول إلى أوراق بعد زوال سحرها. يعرض المتجر جرساً برونزياً من ضريح تاكوزوسو الأصلي في صندوق زجاجي، ويكرم قائمة الطعام روح الثعلب عبر تقديم “أبوراغي”، وهو توفو مقلي يعتقد أنه الطعام المفضل للثعالب.
أما في بوتي بولاية مونتانا الأمريكية، يعد مطعم “Pekin Noodle Parlor” أقدم مطعم صيني يعمل باستمرار في الولايات المتحدة، حيث افتتح عام 1911 في منطقة كانت تعرف سابقاً بالمدينة الصينية المزدهرة. ينتقل المطعم عبر الأجيال في العائلة نفسها، ويتميز بأجوائه الكلاسيكية القديمة: لافتة نيون وامضة ترحب بالزوار في فضاء خافت الإضاءة مع مقصورات طعام فردية تصلها الأطباق عبر عربة صغيرة. يشتهر المطعم بطبق “تشوب سوي” الكلاسيكي الصيني الأمريكي، إضافة إلى التشاو مين والشوربة بنودلز الدجاج.
في إندونيسيا، يستخدم مصنع “Mie Lethek Garuda” التقليدي الأبقار لتدوير هاون ضخم يطحن الكسافا المجفف والبطاطا الحلوة إلى دقيق لصنع “مي ليثيك”، النودلز المميزة للمنطقة. ويترجم اسم “مي ليثيك” إلى “النودلز القبيحة”، وهو وصف مناسب لهذه النودلز الرمادية المتعرجة، لكنها تعوض عن مظهرها بنكهة أحلى من النودلز العادية مع قوام مطاطي لطيف. يدير ياسر فيري المصنع، وهو حفيد المؤسسين، زوجين من أصل يمني صيني افتتحا المتجر في أربعينيات القرن العشرين. بعد أن تنتج الأبقار الدقيق، يمزج فيري وعماله العجين ويعصرونه يدوياً، ثم يتركون النودلز لتجف في الشمس قبل عرضها في السوق. والأبقار تحصل على العشب الحلو مقابل عملها الشاق.
في تايبيه، يستقبل مطعم “Pure Love Diner Bar” الزوار بلافتات نيون ملونة داخل ديكور يعود لثمانينيات القرن العشرين، مع إضاءة حمراء وكرات ديسكو وأثاث عتيق. يشيد المطعم بحانات الكاريوكي القديمة في تايبيه، المعروفة باسم “محلات الأجداد” لروادها الأكبر سناً، لكن دون الأنشطة المشبوهة التي ميزت تلك الأماكن الأصلية. هنا، يستمتع الزوار بالأجواء الكيتشية ويتناولون الأطباق التايوانية الكلاسيكية مثل لحم الخنزير المطهو فوق الأرز وحساء المحار والدجاج المقلي والنودلز المقلية بصلصة الساتاي، مع بقاء آلة كاريوكي في الزاوية.
من إسبانيا إلى سنغافورة: تقاليد عريقة وأسعار في متناول الجميع
في بلدة بينيسالم الإسبانية الصغيرة، تحتفل المدينة بتراثها الغني بالنبيذ عبر مهرجان “فيستا ديس فيرمار” السنوي، الذي يتضمن قدوراً ضخمة من النودلز القصيرة واللحوم المطهوة ببطء مع النبيذ الأحمر والتوابل العطرية. يقدم طبق “فيديوس دي فيرمار”، وهو باييا محلية تقليدية، لجميع سكان البلدة البالغ عددهم 1400 نسمة خلال المهرجان، محولاً الساحة الرئيسية إلى مكان نزهة نابض بالحياة.
في بروكلين بنيويورك، يحمل مطعم “Bamonte’s” الذي أسسه مهاجرون عام 1900 لقب أقدم مطعم إيطالي في بروكلين. كان المطعم ذات يوم مكان لقاء مفضلاً لعصابات المافيا في نيويورك، وظهر كموقع لتصوير مسلسل “The Sopranos”. كما تناولت فيه شخصيات إيطالية أمريكية بارزة مثل روبرت دي نيرو وفرانك سيناترا، ويكرم المطعم ضيوفه المشهورين بصور مؤطرة على الجدران. ورغم ارتفاع تكاليف المعيشة في نيويورك، حافظ المطعم على أسعار أطباقه الإيطالية الكلاسيكية في متناول الجميع، مع أطباق شهيرة مثل ريجاتوني ألا فودكا ولينجويني بصلصة المحار الحمراء.
في تايلاند، تشكل نودلز الأرز البيضاء الرفيعة المعروفة باسم “خانوم جين” عنصراً أساسياً في جميع أنحاء البلاد، وتقدم مع الكاري الحار واللحوم والخضروات. في مطعم “Khanom Jeen Pa Mai” المتواضع في بلدة فوكيت، تصل خيارات التخصيص إلى مستويات جديدة مع تشكيلة تشمل السمك المجفف المقرمش والخردل المخلل وشرائح الأناناس.
في سنغافورة، يمكن الاستمتاع بوجبة حائزة على نجمة ميشلان مقابل نحو ثلاثة دولارات في متجر “Hawker Chan Soya Sauce Chicken Rice & Noodle”. افتتح الشيف تشان هون مينغ المتجر ككشك في ساحة طعام، حيث اشتهر بتتبيلة الدجاج الكانتونية السرية. يقدم اللحم المطهو بنكهة غنية فوق نودلز “تشار سيو” أو الأرز أو نودلز “هور فن” مع الخضار المقلية والبيض المطهو. بعد حصول مينغ على نجمة ميشلان عام 2016، والتي ظن في البداية أنها مزحة عملية، تحول المتجر إلى مطعم كامل بجوار مكان كشكه المتواضع السابق، وافتتحت فروع أخرى في تايلاند وكازاخستان ولاوس وماليزيا مع خطط لمزيد من التوسع.
في هونغ كونغ، يعد “Lin Heung Tea House” الذي تأسس في أواخر القرن التاسع عشر أحد أقدم أماكن “الديب سام” في المدينة. ما يزال المطعم يحافظ على الأسلوب التقليدي، حيث تدفع النادلات عربات مكدسة بأطباق الخيزران البخارية وينادين على الأطباق المتاحة. يمكن للزوار التوجه إلى العربة واختيار ما يروق لهم، سواء كانت لفائف نودلز الأرز أو زلابية الجمبري أو أضلاع لحم الخنزير أو عصيدة الأرز. يزدحم المطعم كثيراً، لذا فإن مشاركة الطاولة مع الزبائن الآخرين جزء من التجربة.
في اليابان، يعمل مبنى “Matsuka Seimen Noodle Factory” الرمادي كمصنع نودلز بشكل أساسي، لكنه يتحول في أوقات معينة من اليوم لتقديم أودون طازج مع البيض والبصل الأخضر وزيت الفلفل الحار. يشيد الزبائن الدائمون بطبق “كاماتاما”: أودون ساخن يقدم مع بيضة نيئة تنضج بحرارة النودلز ورذاذ من صلصة الصويا. كما يقدم المطبخ الصغير كاري رامن غنياً بشرائح لحم الخنزير الدهنية ونودلز السوبا في مرق الشاي الأخضر الرقيق. ويمكن للزوار المحظوظين مشاهدة تقنية عائلة ماتسوكا غير المعتادة في عجن النودلز: صينية كبيرة من العجين تغطى بقطعة قماش وتوضع على الأرض، حيث يمشي أحد أفراد العائلة عليها بجوارب خاصة.
في مدينة هوشي منه الفيتنامية، تقدم السيدة ماي ثي لين على أرصفة الشوارع المزدحمة مغارف كبيرة من المرق الأحمر المغلي من قدر ضخم. حساء “بون ريو”، الذي سمي مطعمها باسمه، يصنع من نودلز الشعيرية والأرز والروبيان أو لحم الخنزير الممزوج بمعجون السلطعون، مع التوفو المقرمش وهيويت (دم لحم الخنزير المتخثر) والأعشاب للتزيين. تضيف السيدة لين لمسة خاصة على الطبق الكلاسيكي بصلصة السمك بالتمر الهندي مع الفلفل المقطع، مما يمنحه نكهة جنوب فيتنامية مميزة.
المصدر: atlasobscura