تكنولوجيا

آيفون 18 الجديد في تركيا: التكلفة الخفية لطفرة الذكاء الاصطناعي

تستعد شركة آبل للكشف عن جيلها الجديد من هواتف آيفون هذا الأسبوع، ومن المتوقع أن تحمل هذه الهواتف بطاقة سعر أعلى بسبب القفزة الكبيرة في تكاليف رقائق الذاكرة، وهو ما يعد أوضح إشارة حتى الآن على أن أزمة نقص الذاكرة العالمية أصبحت أمراً لا يمكن تجنبه، ولا يبدو أن لها نهاية قريبة. وتصف أوساط الصناعة هذه الظاهرة بعبارات مثل “تضخم الرقائق” أو “نهاية عصر الذاكرة الرخيصة”، فالنقص الحالي يعكس تراجعاً لاتجاه دام عقوداً من الانخفاض المستمر في تكاليف الذاكرة، وهو الاتجاه الذي ساهم في جعل الإلكترونيات الاستهلاكية أكثر قوة من دون أن يرتفع ثمنها بشكل كبير. وتشير بيانات شركة AlphaSense إلى أن عبارتي “أسعار الذاكرة” و”نقص الذاكرة” وردتا في 473 ملفاً لإفصاحات الشركات خلال الربع الماضي، ما يعكس حجم القلق الصناعي الواسع.

الذكاء الاصطناعي واحتكار السوق يضاعفان الأزمة

يُلقى اللوم غالباً على الذكاء الاصطناعي في هذه الأزمة، إذ لا يسهم فقط في ارتفاع أسعار الطاقة وتسريح العمال، بل يساعد أيضاً في دفع تكلفة كل شيء من الهواتف الذكية إلى أجهزة الألعاب إلى الأعلى. غير أن النقص كان يتشكل قبل انطلاق شعبية ChatGPT، ثم تضخم بفعل الطلب غير المحدود من تطبيقات الذكاء الاصطناعي على ذاكرة الوصول العشوائي. يوضح مانيش باتيا، الرئيس التنفيذي للعمليات في شركة مايكرون، إحدى أكبر ثلاث شركات مصنعة للذاكرة في العالم: “نحن بحاجة إلى بناء المزيد من الطاقة الإنتاجية للرقائق. إنه تحدٍ مختلف تماماً عن السنوات السابقة حيث كانت التقنية وحدها قادرة على مواكبة الطلب”. فلسنوات، تمكن المصنعون من زيادة الإنتاج بفضل تكثيف عدد الرقائق على كل شريحة سيليكون، لكن هذه المكاسب كانت تتقلص وتحتاج وقتاً أطول. وفي عام 2021، حتى مع ارتفاع الطلب على الإلكترونيات في زمن الجائحة، خلصت مايكرون إلى أن المشكلة أكثر جوهرية، إذ لن يعد التقدم التقني وحده كافياً لخلق طاقة إنتاجية تكفي الطلب طويل الأمد. ثم انهارت تجارة الذاكرة بعد ذلك، مع تراجع مشتريات الحواسيب والأجهزة اللوحية والهواتف التي قفزت خلال الجائحة، وضعف الإنفاق الاستهلاكي، وتراكم المخزون لدى المصنعين الذين تكبدوا خسائر وأبطأوا خطط التوسع. وعندما بدأ السوق يتعافى، أطلق الذكاء الاصطناعي التوليدي موجة طلب أكبر بكثير وأكثر استهلاكاً للذاكرة مما توقعه المصنعون.

تتميز صناعة الذاكرة بتركيز شديد؛ إذ تسيطر ثلاث شركات على نحو 90 في المئة من السوق، وفقاً لشركة الأبحاث Counterpoint، ما يجعل العالم يعتمد على حفنة من الشركات لتقسيم الطاقة الإنتاجية المحدودة بين بنية الذكاء الاصطناعي التحتية والأجهزة الاستهلاكية. وتشير تقديرات Counterpoint إلى أن سامسونغ سيطرت على 39 في المئة من سوق الذاكرة في الربع الثاني من عام 2026، تليها SK Hynix بنسبة 26 في المئة ومايكرون بنسبة 25 في المئة. وتنقسم الذاكرة المستخدمة في الهواتف والحواسيب إلى فئتين رئيسيتين: ذاكرة DRAM، التي تخزن المعلومات مؤقتاً أثناء تشغيل التطبيقات وتحميل الصفحات، وذاكرة NAND لتخزين الملفات والصور على المدى الطويل. وفي مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي، تعتمد المعالجات المتخصصة بشكل كبير على شكل من ذاكرة DRAM يُعرف باسم الذاكرة عالية النطاق (HBM)، والتي تتميز بقدرتها على نقل كميات هائلة من البيانات بسرعة وكفاءة أعلى، غير أنها أكثر صعوبة في الإنتاج وأكثر ربحية في البيع، بحسب ديفيد نارانجو، المدير المساعد في Counterpoint. ويستهلك إنتاج ذاكرة HBM طاقة إنتاجية أكبر بكثير من DRAM التقليدية، إذ تتطلب نحو ثلاثة أضعاف عدد الرقائق الإنتاجية مقارنة بذاكرة DRAM العادية، وفقاً لمايكرون. ومع تفضيل صناع الرقائق عملاقات الذكاء الاصطناعي مثل Nvidia وAMD وشركات التقنية الكبرى مثل Meta وMicrosoft، بات من المجدي اقتصادياً تحويل مزيد من الطاقة الإنتاجية نحو ذاكرة HBM. ويرى جاي جون كيم، نائب الرئيس التنفيذي للذاكرة في سامسونغ، أن الشركة تركز على العملاء القادرين على ضمان طلب مستقبلي ثابت على المدى الطويل، بينما يتحدث سونغ هيون جيونغ، رئيس SK Hynix، عن تحول هيكلي في الطلب يدفع نمو الذاكرة التقليدية وذاكرة الذكاء الاصطناعي معاً. وبينما تؤكد الشركات الكبرى التزامها بإنتاج ذاكرة DRAM التقليدية، فإن الأرباح الاستثنائية من HBM تدفعها لإعادة توزيع طاقتها الإنتاجية. وقد سجلت SK Hynix هامش تشغيل قياسياً بلغ 76 في المئة في الربع الأخير، مقابل 41 في المئة قبل عام، بينما بلغ هامش الربح المعدل لمايكرون 85 في المئة، وقفزت أرباح أشباه الموصلات في سامسونغ نحو 250 ضعفاً على أساس سنوي. وترتب على ذلك ارتفاع أسعار DRAM للهواتف الذكية بنسبة 56 في المئة في الربع الأول من 2026 و83 في المئة في الربع الثاني، فيما قفز سعر 16 غيغابايت من DRAM لهاتف ذكي من 42 دولاراً في الربع الثاني من 2025 إلى نحو 181 دولاراً بعد عام، أي بزيادة تتجاوز 300 في المئة.

مصانع جديدة بانتظار سنوات وتأثيرات مباشرة على الأسعار

يبدو الحل الأساسي للأزمة هو زيادة الإنتاج، لكن ذلك يتطلب سنوات من العمل. فمايكرون، التي بدأت صب الخرسانة الأولى لمجمعها الصناعي الجديد قرب سيراكيوز في نيويورك في يوليو/تموز، تتوقع أن يستغرق تجهيز الموقع نحو 15 إلى 20 مليون قدم مربع من المباني لدعم 2.4 مليون قدم مربع من غرف التنظيف، وهي المساحة الأكبر في تاريخ الولايات المتحدة لموقع تصنيع أشباه الموصلات. ويقول باتيا: “تخيل أن تحاول بناء ولاية نيويورك بأكملها من دون وجود نملة واحدة في الولاية؛ هذا ما نحاول تحقيقه في كل رقاقة”. ولا تتوقع مايكرون إنتاجاً فعلياً قبل عام 2030، رغم أنها بدأت أعمال البناء بعد تأكيد منحة CHIPS Act في مارس/آذار 2024، ووضعت حجر الأساس في يناير/كانون الثاني 2026، بينما من المتوقع أن يبدأ مصنعها في أيداهو الإنتاج في منتصف 2027. وتضاعف مايكرون إنفاقها الرأسمالي إلى أكثر من 25 مليار دولار هذا العام لتسريع وتيرة العمل، لكنها لا تستطيع تحديد نقطة واضحة يلحق فيها العرض بالطلب، إذ يستمر الطلب في النمو بسرعة كبيرة. وتشير تقديرات Counterpoint وIDC إلى أن السعة الإنتاجية قد تلحق بالطلب في أواخر 2027 أو أوائل 2028 في أفضل السيناريوهات، مع توقعات باستمرار النقص حتى ذلك الحين. وفي غضون ذلك، تتحمل شركات صناعة الحواسيب والهواتف تكاليف تضاعفت عدة مرات، وهي لا تستطيع استيعابها، ما يدفعها إلى رفع الأسعار، أو تقليل عدد الأجهزة، أو تقليص سعة الذاكرة فيها، أو التركيز على الأجهزة الأغلى ثمناً ذات الهوامش الربحية الأعلى. وقد رفعت مايكروسوفت أسعار أجهزة إكس بوكس بما يصل إلى 150 دولاراً، وزادت أسعار بعض أجهزة Surface Pro بما يصل إلى 500 دولار، فيما أضافت Meta مئة دولار إلى سعر سماعة Quest 3.

وتعتبر آبل الحالة الأكثر كشفاً، إذ تمتلك نفوذاً هائلاً على مورديها وقاعدة عملاء مخلصين على استعداد لدفع أسعار مرتفعة. ومع ذلك، رفعت آبل أسعار أجهزة Mac وiPad بالفعل، وتتجه الآن إلى رفع أسعار آيفون، إذ تشير توقعات إلى أن iPhone 18 Pro قد يبدأ من 1299 دولاراً، بزيادة مئتي دولار عن iPhone 17 Pro، وفقاً لحسابات صحيفة وول ستريت جورنال المبنية على تقديرات TechInsights. ومن المتوقع أن تكشف آبل عن iPhone 18 Pro وPro Max إلى جانب أول هاتف قابل للطي هذا الخريف، على أن تطرح iPhone 18 العادي وAir المحدث في ربيع 2027، وفقاً لبلومبرغ. وقد وصف تيم كوك، الرئيس التنفيذي السابق، ارتفاع أسعار الذاكرة بأنه “فيضان من مئة عام”، مشيراً إلى أن التكاليف المتزايدة أثرت مباشرة على هوامش أرباح آبل. وقد رفعت سامسونغ وغوغل أسعار بعض هواتهما الجديدة بمئة دولار هذا العام، كما بدأ مصنعون آخرون في خفض توقعات الشحنات والتحول نحو النماذج الأغلى ثمناً. وبينما تستثمر سامسونغ وSK Hynix ومايكرون بكثافة في مصانع جديدة، فإن هذه الاستثمارات لن تحقق راحة فورية. وتخطط SK Hynix لاستثمار 600 تريليون وون في مجمع Yongin الكوري، مع تسريع موعد اكتماله من 2045 إلى 2033، فيما تستثمر سامسونغ وSK Hynix معاً 800 تريليون وون (نحو 588 مليار دولار) في أربعة مصانع جديدة جنوب غربي كوريا الجنوبية. كما تخطط مايكرون لإنفاق أكثر من 250 مليار دولار على التصنيع والأبحاث في الولايات المتحدة حتى 2035، بينما تظهر شركة CXMT الصينية كلاعب رابع محتمل، رغم أن تقنيتها ليست متقدمة بعد، وتحتاج موافقة الإدارة الأميركية للتعامل معها. ويبقى احتمال آخر هو أن ينهار الطلب إذا انفجرت فقاعة استثمارات الذكاء الاصطناعي، لكن العقود طويلة الأجل الموقعة بين شركات الذكاء الاصطناعي وموردي الذاكرة تجعل المستقبل القريب أكثر قابلية للتنبؤ. وتتوقع Counterpoint وIDC أن يتباطأ نمو الأسعار إلى خانة واحدة أو خانتين منخفضتين في العام المقبل، لكن الأسعار لن تعود إلى مستويات 2025، بل ستستقر عند مستوى جديد يصل إلى ثلاثة أضعاف الأسعار السابقة على الأقل. ويخلص ديفيد نارانجو إلى أن “النهاية السعيدة لن تأتي قريباً”.

المصدر: theverge

زر الذهاب إلى الأعلى