تكنولوجيا

أريزونا تفقد ربع مياهها من كولورادو… ومصانع الرقائق تدفع الثمن بأسعار أعلى

تواجه أريزونا قراراً فيدرالياً بخفض حصتها من مياه نهر كولورادو بنحو 760 ألف فدان-قدم سنوياً بدءاً من عام 2027، وهو ما يعادل أكثر من ربع الكمية التي تسحبها الولاية سنوياً من النهر البالغ طوله 1400 ميل، في وقت تتوسع فيه مصانع أشباه الموصلات التابعة لشركتي TSMC وIntel بوتيرة متسارعة لتصنيع رقائق الذكاء الاصطناعي.

ويعد نهر كولورادو أكبر مصدر متجدد للمياه في أريزونا، إذ يوفر أكثر من ثلث مياه الولاية، لكن حوض النهر يعاني من جفاف “غير مسبوق” منذ أكثر من ربع قرن بحسب مكتب الاستصلاح الأميركي، بينما يزيد تغير المناخ من جفاف المنطقة مع ارتفاع الطلب على المياه بعد عقود من الاستخدام المفرط.

قرار فيدرالي بقطع 760 ألف فدان-قدم

كانت الولايات المتشاطئة قد فشلت في التوصل إلى اتفاق فيما بينها حول كيفية إدارة المياه المتضائلة، ما دفع وزارة الداخلية الأميركية إلى إقرار خطتها النهائية في أغسطس الماضي، والتي تنص على تخفيضات حادة لولايات المصب: أريزونا ونيفادا وكاليفورنيا. وتتحمل أريزونا النصيب الأكبر من هذه التخفيضات بخسارة لا تقل عن 760 ألف فدان-قدم سنوياً اعتباراً من 2027. والفدان-قدم هو كمية المياه اللازمة لتغطية فدان واحد بقدم من الماء، وتكفي لتزويد نحو ثلاثة منازل بالمياه لمدة عام في منطقة فينيكس، بينما تستهلك مدينة فينيكس وحدها نحو 300 ألف فدان-قدم سنوياً.

ويقول كاثرين سورينسن، مديرة الأبحاث في مركز كايل لسياسات المياه بجامعة ولاية أريزونا والمديرة السابقة لخدمات مياه فينيكس: “اقتصادنا يتغير، وهذا مؤلم حقاً. عندما تكون هناك مشكلة في ندرة المياه عليك أن تبدأ بالنظر إلى استخدامات المياه التي تحقق أكبر قيمة للمجتمع”.

وتستحوذ الزراعة، التي تشكل جزءاً رئيسياً من اقتصاد أريزونا منذ أن أصبحت ولاية، على أكثر من 70 في المائة من مياه الولاية، في حين لا تتجاوز الاستخدامات الصناعية، بما فيها تصنيع الرقائق الذي يعود حضوره في الولاية إلى أربعينيات القرن الماضي، 6 في المائة.

وعلى الرغم من أن كمية المياه التي تستهلكها مصانع أشباه الموصلات لا تزال صغيرة نسبياً مقارنة بالزراعة، فإن صناعة الرقائق تنمو بسرعة. وتستخدم المصانع مياهاً “فائقة النقاء” لتنظيف الأسطح ونحت الرقائق الحساسة، إذ يتطلب إنتاج كمية صغيرة من المياه فائقة النقاء عبر إزالة الأيونات والتناضح العكسي كميات أكبر من مياه الشبكة البلدية. وقد يستهلك مصنع نموذجي نحو 10 ملايين غالون من المياه فائقة النقاء يومياً، وهو ما قد يستدعي ما يصل إلى 16 مليون غالون من مياه الشبكة البلدية.

وتنمو مصانع الرقائق الجديدة في صحراء أريزونا بفضل التمويل الفيدرالي بعد أن وقّع الرئيس جو بايدن قانون “الرقائق والعلوم” في 2022، الذي خصص 52.7 مليار دولار لتوسيع تصنيع الرقائق محلياً. وبفضل منحة حكومية بقيمة 7.86 مليار دولار، تعتزم Intel إنفاق 32 مليار دولار على مصنعين جديدين وتوسعة منشأة قائمة في أريزونا. وفي 2025، سحبت منشآت الشركة في تشاندلر بأريزونا أكثر من 2.7 مليار غالون من المياه العذبة بحسب تقرير المسؤولية المؤسسية الأخير للشركة.

أما TSMC، أكبر مصنّع للرقائق في العالم، فقد حصلت على ما يصل إلى 6.6 مليار دولار من تمويل قانون الرقائق وقررت بناء ستة مصانع جديدة على الأقل في فينيكس. ويستهلك مصنعها الأول في أريزونا نحو 4.75 مليون غالون من المياه يومياً، بحسب ما أبلغت به الشركة موقع The Verge العام الماضي، وهو ما يعادل تقريباً استهلاك أكثر من 14 ألف منزل يومياً، أو 2 في المائة من مساكن فينيكس. وترتفع هذه الكمية مع كل مصنع جديد تبنيه الشركة ومع تطور عمليات التصنيع المتقدمة. وتقول TSMC إنها تعيد تدوير 65 في المائة من المياه التي تستخدمها في أريزونا، وهو رقم يُفترض أن يرتفع إلى 90 في المائة على الأقل عند الانتهاء من بناء محطة استصلاح المياه.

أبدت سورينسن قلقها من أن نقص المياه لن يقتصر على ضغط على المصانع، بل سيمتد إلى فواتير المستهلكين، متوقعة أن ترتفع أسعار المياه بمرور الوقت مع التحول إلى مصادر بديلة تتطلب بنية تحتية جديدة مثل الآبار والأنابيب، وهو ما ترجح أن يكون المحرك الأكبر لارتفاع أسعار مياه الصنبور.

وتتميز فينيكس بأنها تفرض نفس أسعار المياه على الشركات والمستهلكين السكنيين، خلافاً لمدن أخرى تخفض أسعار العملاء الصناعيين لجذب الأنشطة التجارية. وتقول سورينسن: “ستزداد تكلفة المياه على TSMC. الجميع يدفع نفس سعر المياه في مدينة فينيكس، سواء كنت متجراً صغيراً أو أسرة من ثمانية أفراد أو TSMC”. ويخضع مصنع TSMC في فينيكس، بالتالي، لارتفاعات الأسعار نفسها التي يتحملها جيرانه.

مخاوف متصاعدة من إجهاد نهر كولورادو

وقد رفضت كل من TSMC وIntel إجراء مقابلات مع The Verge لهذا التقرير، لكنهما تعهدتا علناً بتقليل استهلاك المياه العذبة. وقالت نائبة المتحدث باسم TSMC، نينا كاو، في بيان بالبريد الإلكتروني: “إمداد مستقر بالمياه أمر بالغ الأهمية لإنتاج الرقائق. أحد أسباب اختيار مدينة فينيكس لتوسعنا الأميركي هو خطتها طويلة الأجل للمياه، التي تشمل مصادر إمداد متنوعة، إضافة إلى خطوات اتُخذت استعداداً لانخفاض الإمدادات على مدى عقود”.

ولا تزال المخاوف تتزايد بشأن تأثير الذكاء الاصطناعي وقطاع التكنولوجيا ككل على المنطقة، إذ ولّد الذكاء الاصطناعي جيلاً جديداً من مصانع أشباه الموصلات ومنشآت تغليف الرقائق ومراكز البيانات في أريزونا. وتقول جينيفر مارتن-مكلويد، مديرة برنامج في فرع غراند كانيون لنادي سييرا: “الأمر يحدث بمستوى يصعب استيعابه. محاولة القول: خذوا نفساً وفكّروا فيما نفعله، صعبة عندما تكون هناك عجلة أموال تتدفق على ولايتك لمحاولة إنجاز كل شيء بين ليلة وضحاها”. وتجاوز قلقها حدود المياه إلى صحة نهر كولورادو والحياة البرية التي تعتمد عليه.

وعلى المدى الطويل، تشير سورينسن إلى أن نقص المياه من نهر كولورادو سيؤدي إلى استنزاف المياه الجوفية في وسط أريزونا، إذ ستلجأ معظم المدن إلى زيادة سحب المياه من طبقات المياه الجوفية المحلية، مضيفة: “إنهم قادرون على الاستمرار في ذلك، لكن الاستمرار لا يتحقق إلا على حساب الأجيال القادمة”.

وتقول مارتن-مكلويد إن أثر تخفيضات المياه العام المقبل سيشعر به السكان العاديون أكثر من غيرهم: “بالنسبة لي، يعني ذلك تغييرات جذرية في نمط الحياة. لكن بالنسبة لمصنّع رقائق ضخم، قد يكون الأمر مجرد جزء من تكلفة ممارسة الأعمال”.

وتواجه حكومة مدينة فينيكس القرار الفيدرالي بمعارضة، إذ رأت عمدة المدينة كيت غاليغو أن قرار الحكومة الفيدرالية بخفض حصة الولاية “لا يوفر القيادة العادلة على مستوى الحوض التي تتطلبها أزمة نهر كولورادو”. وأضافت في بيان صحفي في أغسطس: “فينيكس مستعدة لهذه اللحظة بفضل عقود من التخطيط والحفاظ على المياه، وسنضغط من أجل دعم فيدرالي جديد لتخفيف الارتفاع المرتقب في تكاليف المياه نتيجة هذا القرار الفيدرالي”. ورفض متحدث باسم المدينة الإدلاء بمزيد من التعليقات في مقابلة.

ويعتمد 40 مليون أميركي من دنفر إلى لوس أنجلوس على مياه نهر كولورادو، وقد ظلت ولايات المنطقة تتنازع على كيفية توزيع المياه المتبقية منذ سنوات. وتنتهي هذا العام الإرشادات الجماعية لإدارة المياه والمعروفة بـ”قانون النهر”. وفي مقاطعة ماريكوبا، التي تضم مصانع Intel وTSMC، لا يمثل نهر كولورادو المصدر الرئيسي، إذ تعتمد المقاطعة أساساً على المياه الجوفية، لكن المياه السطحية المتدفقة من نهري كولورادو وسولت تشكل ما يقارب 40 في المائة من الإمدادات.

وتؤكد القيادات المحلية أن فينيكس ومدناً أخرى في المنطقة مستعدة لتخفيضات المياه، مستندة إلى خطط لتعويض النقص من مخزونات تحت الأرض ومصادر مياه سطحية أخرى. وتقول سورينسن: “في الغالب، خططوا وفق ذلك ويمكنهم الاعتماد على مياه كانوا يخزنونها تحت الأرض”. لكن حتى بدون نقص مفاجئ في مياه الصنبور، تتوقع سورينسن أن ترتفع فواتير المرافق مع الوقت.

المصدر: theverge

زر الذهاب إلى الأعلى