الألوان قد تؤثر في المزاج والسلوك.. لكن العلم يضع حدودًا واضحة لهذه الوعود

قد يجعلك ارتداء قميص أحمر تشعر بجرأة أكبر، أو يمنحك الجلوس في غرفة زرقاء إحساسًا بالهدوء، لكن تأثير الألوان في المزاج والسلوك ليس قاعدة ثابتة ولا حقيقة علمية مكتملة. وتقدم الدراسات دعمًا معقولًا لتأثير بعض الألوان في جذب الانتباه والمنافسات الرياضية وإدراك الطعام والشراء، بينما تبقى وعود أخرى، مثل تغيير معدل ضربات القلب أو تحسين الصحة الجسدية، موضع نقاش.
ما الذي يثبته علم نفس الألوان؟
يبحث علم نفس الألوان في الطريقة التي تؤثر بها الألوان في الإدراك والمشاعر والسلوك. وتقوم الفكرة الأساسية على أن اللون قد يطلق تقييمًا تلقائيًا لدى الإنسان، وهو ما يمكن أن ينعكس على تصرفاته. غير أن قوة هذا التأثير تختلف باختلاف الثقافة والعمر والجنس والتجارب الشخصية، لذلك لا يمكن التعامل مع دلالات الألوان باعتبارها قوانين عالمية.
وتوجد أدلة معقولة على تأثير الألوان في المنافسات الرياضية وإدراك الطعام وجذب الانتباه. في المقابل، لا تزال الادعاءات التي تتحدث عن تحسين الصحة الجسدية أو تغيير معدل ضربات القلب محل نقاش. كما ينظر خبراء الصحة إلى العلاج بالألوان، المعروف باسم «كروموثيرابي»، بوصفه ممارسة غير علمية لا تستند إلى أبحاث قوية.
سبعة ألوان ودلالاتها الشائعة
الأحمر: يرتبط عادة بالإثارة وجذب الانتباه، ولذلك تستخدمه الإعلانات كثيرًا للتعبير عن الشغف والحماس. وأظهرت دراسة شملت منافسات الملاكمة والمصارعة في الألعاب الأولمبية أن الرياضيين الذين ارتدوا الأحمر فازوا بـ55% من المباريات، وهي نسبة عُدّت ذات دلالة إحصائية. لكن معنى الأحمر ليس واحدًا في كل مكان؛ فالدلالة المرتبطة به في اليابان تختلف عن ارتباطه بالغضب في الولايات المتحدة.
الأصفر: تشير الأبحاث إلى أنه اللون المفضل لدى الأطفال، ويربط الباحثون ذلك بعلاقته الشائعة بالسعادة. وفي مجال التسويق، يُستخدم الأصفر للدلالة على الكفاءة والبهجة. وتتغير التفضيلات مع التقدم في العمر؛ فالأطفال قد يختارونه بدلًا من الأزرق، بينما يختلف الخيار لدى البالغين. كما تلعب الثقافة دورًا واضحًا، إذ ربط مشاركون ألمان الأصفر بالغيرة، في حين لم يظهر الارتباط نفسه لدى المشاركين البولنديين.
الأزرق: من أكثر الألوان ارتباطًا بالاسترخاء والجدية في الدراسات. وأظهرت إحدى الدراسات أن واجهات المتاجر الزرقاء عززت الميل إلى الشراء مقارنة بالواجهات البرتقالية. مع ذلك، لا تحظى جميع الادعاءات المتعلقة بالأزرق بالدعم نفسه؛ فالنتائج الخاصة بإحساس الإنسان بمرور الوقت متناقضة، كما أن الادعاء بأن الأضواء الزرقاء في محطات القطارات تخفض حالات الانتحار لا يزال موضع تشكيك. وفي دراسة عن الألوان المفضلة، اختار 35% من المشاركين الأزرق، مقابل 16% للأخضر، ما يجعله لونًا محبوبًا على نطاق واسع، مع بقاء تأثيره متفاوتًا من شخص إلى آخر.
الأخضر: يرتبط بالطبيعة والمنتجات الصديقة للبيئة وبالطعم الجيد، ولهذا يظهر بكثرة في تسويق المنتجات العضوية والطبيعية. وله أيضًا حضور تاريخي في المستشفيات؛ فمنذ عام 1914 بدأ استخدامه هناك باعتباره لونًا مكملًا للأحمر، لون الدم.
البنفسجي: غالبًا ما يوحي بالقوة والمظهر الراقي أو المتطور، لكن هذه الدلالة ليست ثابتة بين الثقافات. ففي بولندا، ربط المشاركون اللون البنفسجي بالغضب والغيرة، وهو مثال آخر على أن معنى اللون يتشكل اجتماعيًا وثقافيًا.
البرتقالي: يظهر في الدراسات بين الألوان الأقل تفضيلًا. إلا أن الانطباع عنه يتبدل بحسب البيئة؛ فقد اختفت ردود الفعل السلبية تجاه اللون البرتقالي في واجهات المتاجر عندما استُخدم مع إضاءة ناعمة. وهذا يوضح أن اللون نفسه قد يثير إحساسًا مختلفًا تبعًا للمكان وطريقة عرضه.
الأبيض: يرتبط بالنقاء والنظافة، وساعد اعتماده لونًا للمستشفيات في مطلع القرن العشرين على ترسيخ هذه الصورة. ولا يزال حاضرًا في الهويات المؤسسية، لكن دلالته تختلف ثقافيًا أيضًا؛ ففي بعض المجتمعات يرمز الأبيض إلى الحداد، ما يؤكد أن الألوان لا تمتلك لغة عالمية واحدة.
فإن الخلاصة الأبرز ليست أن لونًا معينًا يغيّر الحالة النفسية للجميع بالطريقة نفسها، بل أن تأثير اللون يتداخل مع السياق والثقافة والتجربة الشخصية. لذلك يمكن الاستفادة من دلالاته في التصميم والتسويق والبيئات المختلفة، من دون تحويل الارتباطات الشائعة إلى وعود علاجية مؤكدة.
المصدر: onedio




