تأمل فرانسيس هوغن، المبلّغة السابقة عن مخالفات فيسبوك، أن يدفع فيلم «الحساب الاجتماعي» مزيدًا من العاملين في شركات التكنولوجيا إلى كشف ما يعرفونه، بعد مرور خمس سنوات على ظهورها العلني بوثائق داخلية كشفت جوانب من عمل الشركة وأطلقت نقاشًا حول أضرار منصات التواصل.
وشاهدت هوغن فيلم المخرج آرون سوركين، الذي تؤدي فيه الممثلة الحائزة على الأوسكار ميكي ماديسون شخصية خيالية تحمل اسمها، من دون انزعاج كبير باستثناء تفصيل واحد: أغطية المعصمين التي تظهر بها الشخصية طوال الفيلم. فهذا التفصيل مستوحى من واقع هوغن، إذ تستخدم هذه الأغطية للتعامل مع آثار اضطراب يسبب تضيق الأوعية الدموية.
وقالت هوغن في مقابلة مع «ذا فيرج» إنها توصلت إلى طرق كثيرة لتقليل تأثير الحالة في حياتها، لكنها شعرت بمدى إزعاجها عندما شاهدت الشخصية ترتدي أغطية المعصمين طوال ساعتين. وأضافت أنها خرجت من العرض وهي تتساءل كيف تمكنت من عدم التفكير في هذا الأمر طوال نحو سبع سنوات.
ومن المقرر عرض «الحساب الاجتماعي» في دور السينما يوم الجمعة، وتأمل هوغن أن يشاهده مارك زوكربيرغ، الرئيس التنفيذي لشركة ميتا، وأن يمر بتجربة مشابهة لما شعرت به عند رؤية صورتها على الشاشة. وقالت إنها تتمنى أن يواجه زوكربيرغ رد فعل عاطفيًا مباشرًا يدفعه إلى التساؤل: «هل أريد حقًا أن أعيش هذه الحياة بعد الآن؟»
شخصية مستوحاة من التسريبات
يعرض الفيلم هوغن الخيالية وهي تسلّم آلاف الوثائق إلى الصحفي جيف هورويتز، مراسل صحيفة «وول ستريت جورنال»، في محاكاة لما فعلته هوغن قبل خمس سنوات عندما أصبحت الشخصية الرئيسية وراء سلسلة «ملفات فيسبوك». وتظهر شخصية زوكربيرغ في الفيلم، التي يؤديها جيريمي سترونغ، كرجل آلي وقاسٍ سئم من تحمّل الانتقادات المتعلقة بقرارات الإشراف على المحتوى والتحقق من الحقائق.
وتقول هوغن إن الفيلم يضع أمام زوكربيرغ مرآة قد تساعده على إدراك مدى تشوّه العالم المحيط به. وترى أنه ربما تعلّم ألّا يرى هذا التشوّه، لكنها تأمل أن تمنحه مشاهدة العمل منظورًا مختلفًا، بحيث تتاح له فرصة الاختيار.
وبعد خمس سنوات من نشر الوثائق، تريد هوغن أن يذكّر الفيلم الجمهور باتساع المعلومات التي كشفتها، وأن يجعل تجربة الإبلاغ عن المخالفات أكثر إنسانية. وقالت إن والدتها قد تعترض على بعض تفاصيل الشخصية التي تؤديها ماديسون، مثل كونها شابة قصيرة القامة وداكنة الشعر، خلافًا لها، لكنها سعيدة بأن الشخصية السينمائية لا تطابقها تمامًا.
وترى هوغن أن اختلاف الشخصية عن صاحبتها الواقعية قد يكون مفيدًا، لأنها تريد أن يتمكن أكبر عدد ممكن من الناس من رؤية أنفسهم فيها. وتأمل خصوصًا أن يتعرف إليها موظف في أحد مختبرات الذكاء الاصطناعي المتقدمة إذا وجد نفسه، على نحو سيئ الحظ، في موقع يضطره إلى الإبلاغ عن مخالفات، وأن يشعر بأن عليه واجبًا تجاه إخوانه البشر ومواطنيه.
معظم الوثائق لم تكن عن الأطفال
كان أحد أبرز الآثار العملية لتسريبات هوغن استخدامها أدلة في دعاوى قضائية تتهم ميتا بإلحاق الضرر بالمستخدمين الأصغر سنًا، وانتهى هذا المسار إلى تسوية بلغت 17 مليار دولار في وقت سابق من العام. لكن الفيلم، وفق ما تذكر هوغن، يوضح أن سلامة الأطفال لم تكن الدافع الأول وراء قرارها.
وتقول إن الوثائق المتعلقة بتأثير إنستغرام في المراهقين كانت من آخر ما جمعته قبل استقالتها، لأنها خشيت أن يثير تصفحها لمواد بعيدة عن مجال عملها الأساسي، المتعلق بالنزاهة المدنية، الشبهات داخل الشركة. وأضافت أن الذاكرة الجماعية لما كانت تعترض عليه تحديدًا تغيّرت مع مرور الوقت، موضحة أن نحو 10 في المئة فقط من المواد التي أخرجتها كانت مرتبطة بالأطفال.
أما القضايا الأخرى التي كشفتها، ومنها دفع الخوارزمية المستخدمين نحو جماعات متطرفة، ومنح بعض المستخدمين البارزين امتيازات خاصة في الإشراف على المحتوى، فقد تراجعت في الذاكرة العامة بمرور الزمن، بحسب قولها.
ورفضت ميتا التعليق على الفيلم، لكنها قالت في السابق إن الوثائق التي كشفتها هوغن جرى انتقاؤها بصورة جزئية، وإنها قدّمت قرارات الشركة المعقدة وكأنها أبسط مما كانت عليه، رغم ما تضمنته من مفاضلات صعبة.
واصلت هوغن منذ ذلك الحين المشاركة في النقاشات المتعلقة بالسياسات المنظمة لمنصات التواصل وتأثيرها في الأطفال، ولا سيما في أوروبا وأستراليا، حيث رأت أن فرص إحداث تغيير بدت أكبر منها في الولايات المتحدة.
حظر أستراليا دفع ميتا إلى التحرك
وتقول هوغن إنها لا تؤيد حظر منصات التواصل على الأطفال بصورة مطلقة، لكنها تعتقد أن حظر أستراليا استخدام القاصرين لوسائل التواصل دفع ميتا إلى تطبيق ما وصفته بإجراءات «بديهية وواضحة» لمواجهة الخطر.
وترى أن منع الأطفال من استخدام المنصات لا ينبغي أن يكون خط الدفاع الأول، لكنها تضيف أن الشركات أثبتت مرارًا أنها ليست مهتمة كثيرًا بجعل هذه المساحات آمنة للأطفال. وبحسب تقييمها، أظهرت فيسبوك خصوصًا أنها لا تحسّن إجراءات السلامة المخصصة للصغار إلا عندما تشعر بالخوف من العواقب.
مواجهة مبلّغة أخرى
وتطرقت هوغن أيضًا إلى تحرك ميتا ضد سارة وين-ويليامز، المديرة السابقة للسياسات العامة في الشركة، التي اتخذت ميتا إجراءات قانونية لمنعها من الترويج لمذكراتها «أشخاص مهملون» حول تجربتها داخل الشركة.
لكن هوغن وصفت حالة وين-ويليامز بأنها استثناء، جزئيًا لأن روايتها تعتمد بدرجة أكبر على السرد الشخصي، بينما استندت هي إلى كميات كبيرة من الوثائق. وأشارت إلى مشهد في الفيلم يقول فيه الصحفي جيف للشخصية التي تجسدها هوغن: «أنت لم تمنحيني أدلة، بل منحتني قصة».
وترى هوغن أن اعتماد رواية وين-ويليامز بدرجة كبيرة على مصداقيتها الشخصية يجعل ميتا حريصة جدًا على ألّا يتقدم أي شخص آخر كان يملك إمكانية الوصول إلى المعلومات نفسها للإدلاء بشهادته.
ومع انتقال الاهتمام في وادي السيليكون إلى الذكاء الاصطناعي، تقول هوغن إن النقاش حول تنظيم القطاع وإبداء الاعتراض علنًا أصبح متقدمًا بكثير عما كان عليه النقاش بشأن وسائل التواصل في المرحلة المماثلة. ورغم أنها ترى أن بعض المقترحات، مثل الدعوة إلى وقف تطوير الذكاء الاصطناعي، مبسطة أو موجهة في الاتجاه الخطأ، فإنها تشعر بالتفاؤل لأن الناس يناقشون القضية الآن، في حين لم يكونوا منخرطين في نقاش مماثل حتى بعد أربع سنوات من توسع وسائل التواصل.
وعند مراجعة قرارها الظهور علنًا، تقول هوغن إنها تعاملت مع الأمر بقدر كبير من البرود. كانت تدرك أن ميتا قادرة على إلحاق ضرر مالي بها، لكنها لم تقلق كثيرًا من ذلك، موضحة أنها من طائفة الكويكرز ولا تحتاج إلى الكثير كي تشعر بالرضا والسعادة، وأن الآخرين لا يستطيعون انتزاع سوى القدر الذي تسمح لهم هي بانتزاعه.
المصدر: theverge