يعود المخرج الروماني كريستيان مونجيو بفيلمه الروائي السادس «Fjord»، الذي يتابع أسرة رومانية متدينة تنتقل إلى قرية صغيرة بين المضائق النرويجية، ثم تجد نفسها أمام أسئلة صعبة حول تربية الأطفال وحدود التسامح في مجتمع ليبرالي. ويحاول الفيلم دفع المشاهد إلى التساؤل عما إذا كانت القيم التقدمية تتسع فعلًا لمن لا يشاركون الأغلبية أفكارها.
تدور القصة حول أم تؤدي دورها ريناته راينسفه، وأب أصلع يرتدي نظارات يجسده سيباستيان ستان، إلى جانب أطفالهما. الأسرة مسيحية علنًا وتدعو الآخرين إلى معتقداتها، فيما يؤمن الوالدان بالعقاب بوصفه نتيجة ضرورية لبعض الأفعال، ولا يتبعان أسلوب التربية الهادئة المتسامحة. وفي النرويج عام 2026، حيث تبدو الدولة شديدة الارتياب من المتدينين، تبدأ الأسرة في مواجهة مؤسسات المجتمع وقيمه السائدة.
يُعرض «Fjord» بهدوء في بدايته، إذ يرافق المشاهد أفراد الأسرة أثناء تعرفهم إلى أماكن التعليم والعمل والعبادة الجديدة. وتظهر في المقابل أسرة نرويجية ثانية تؤدي دورًا موازنًا، من دون أن تكون صورتها مطابقة تمامًا للأسرة المهاجرة. ومن خلال احتكاك العائلتين، يطرح الفيلم أسئلة عن الفارق بين الانضباط والعقاب، وعن الجهة التي تملك حق تحديد ما يصب في مصلحة الأطفال.
من أخبار المهاجرين إلى سيناريو عن التسامح
قال مونجيو، وهو روماني الجنسية، في حوار مع موقع «ذا فيرج» إن فكرة الفيلم بدأت بعدما صادف على مدى سنوات أخبارًا عن أسر مهاجرة في دول الشمال الأوروبي. وهو يقرأ عددًا كبيرًا من الأخبار يوميًا، ويحتفظ بالمقالات في مجلدات خاصة مصنفة وفق موضوعاتها، لكنه لا يحول الخبر اللافت مباشرة إلى فيلم.
وأوضح أن الخبر في بدايته يقدم واقعة استثنائية أو مثيرة، بينما يحاول الفيلم التعمق في أسباب حدوثها وما تكشفه عن العالم وحياة الناس. واحتاج، وفق روايته، إلى نحو ثماني سنوات بين قراءته للواقعة التي ألهمته واتخاذ قرار تحويلها إلى عمل سينمائي. كما أشار لاحقًا إلى أنه لم يستخدم السنوات العشر كلها في التحقيق، بل ظل مدركًا لوجود القضية خلال تلك الفترة قبل أن يقرر توسيع بحثه.
ولإعداد السيناريو، تحدث مونجيو إلى الأسرة التي ارتبطت بأبرز قضية من هذا النوع قبل نحو ثلاثة أعوام، وإلى أطفالها وأقاربها، وسافر إلى النرويج لزيارة المنزل الذي وقعت فيه الأحداث. كما التقى كل من استطاع الوصول إليه ممن شاركوا في القضية أو تابعوها، بمن في ذلك المحامون، والصحفيون الذين غطوا الملف، والمترجم الذي كان يرافق الأسرة خلال حديثها مع الشرطة، وموظفون في «بارنفِرنيت»؛ وهي وكالة رعاية الأطفال النرويجية، إضافة إلى منظمات غير حكومية شاركت في قضايا مماثلة.
وحضر المخرج لاحقًا محاكمات تناولت قضايا متعلقة بالأطفال، وسعى إلى جمع وجهات نظر الأطراف المختلفة، لا في القضية الأساسية وحدها، بل في قضايا أخرى أيضًا. وقال إنه لم يحتج إلى اختراع كثير من الحجج في السيناريو، بل نظم المواد والنقاشات التي سجلها بين الطرفين.
أما الأسرة النرويجية الثانية في الفيلم فهي خيالية بالكامل. وقد منح ذلك مونجيو مساحة لمتابعة القصة من منظور البالغين، مع إبقاء الأطفال والأسرة في مركز الأحداث. وتعيش العائلتان في منطقة معزولة عند نهاية مضيق بعيد، ما يفرض عليهما التواصل رغم اختلاف قيمهما، ويكشف كيف تصطدم تلك القيم وتتغير عندما يصبح الحوار أمرًا لا مفر منه.
«هل توجد أقليات جيدة وأخرى سيئة؟»
يرتكز الفيلم على سؤال طرحه مونجيو في مهرجان كان السينمائي: هل توجد أقليات جيدة وأقليات سيئة؟ وقال إن موقفه من السؤال لم يتغير كثيرًا، موضحًا أن المجتمع يحتاج إلى الدفاع عن التسامح والاندماج وقبول المختلف، لكنه مطالب أيضًا بالتسامح مع الأقليات التي لا تشترك مع الأغلبية في القيم نفسها.
وأضاف أن رفض هذا المبدأ يثير سؤالًا حول ما يجعل رؤية الأغلبية أكثر ليبرالية وتقدمًا من غيرها. لكنه شدد في الوقت نفسه على وجود حدود واضحة للتسامح، مؤكدًا ضرورة إدانة العنف والوقوف إلى جانب حماية الناس ومساعدتهم.
ويرى مونجيو أن المعتقدات الدينية، حتى عندما لا يشاركها الآخرون، يجب ألا تكون وحدها سببًا لإدانة أصحابها. واستشهد بوجود أشخاص يؤمنون بقراءة الأبراج أو بالطب البديل، ومع ذلك يتركهم المجتمع وشأنهم. وقال إن من الممكن محاولة إقناع أصحاب المعتقدات المختلفة بالاستناد إلى التفكير العقلاني عند اتخاذ القرارات، لكن تغيير قناعات الآخرين بالقوانين والإكراه قد يؤدي إلى زيادة تطرفهم بدلًا من دمجهم.
ويضع «Fjord» أسرة محافظة ومتدينة في موقع الأقلية داخل مجتمع تقدمي، بعدما سبق لمونجيو أن تناول في أعماله التمييز الذي تتعرض له الأقليات داخل المجتمعات المحافظة. وقال إنه أراد أن يرى ما يحدث عندما يصبح المحافظون، فجأة، أقلية في مجتمع ليبرالي، متسائلًا عما إذا كانت الأغلبية ستعاملهم بتعاطف لأنهم لا يشتركون معها في القيم نفسها.
خلص مونجيو إلى أن الانتماء إلى الأغلبية غالبًا ما يصبح أهم من القيم التي يرفعها أفرادها، مستشهدًا بفكرة للمنظر الأدبي تيري إيغلتون مفادها أن الأيديولوجيا تشبه رائحة الفم الكريهة: لا نلاحظها إلا لدى الآخرين.
بين حماية الأطفال والافتراضات
لا يتجاهل الفيلم ضرورة التدخل عندما يثبت وقوع العنف داخل الأسرة. وقال المخرج إن حماية الأطفال والنساء تقتضي التحرك بأسرع ما يمكن عند وجود عنف مؤكد. لكنه أوضح أن معظم الحالات تفرض على المجتمع اتخاذ قرار من دون معرفة كاملة بما جرى داخل المنزل، إذ تبنى الأحكام أحيانًا على افتراضات وصور نمطية.
وبعد عامين من التحقيق والحديث مع جميع الأطراف، قال مونجيو إنه لم يستطع الجزم بما إذا كانت الأسرة الحقيقية التي ألهمت الفيلم قد مارست العنف أم لا. وأكد أنه لا يقول إنها لم تكن عنيفة، بل إنه لا يملك معرفة كافية للحسم، حتى بعد حديثه مع أفرادها وأطفالها.
ويرى المخرج أن الناس، في النرويج وفي المجتمعات عمومًا، يميلون إلى تفسير القضايا من خلال تصوراتهم المسبقة. وحتى حين يعتقد المرء أنه يتصرف لمصلحة الأطفال، فإنه غالبًا ما يفترض أن الحل الذي يراه مناسبًا هو الأفضل، بينما يعتقد الطرف الآخر الشيء نفسه انطلاقًا من قناعاته.
ويحاول الفيلم، بدلًا من تقديم إجابة جاهزة، وضع مجموعتي القيم أمام المشاهد ليدقق في قناعاته الخاصة. ويقول مونجيو إنه لا يؤمن بوجود وجهة نظر موضوعية تمامًا، لكنه يستطيع على الأقل تجنب التلاعب بالمشاهد، وعدم الانحياز إلى أحد طرفي النزاع.
ويصف المخرج اختياره بأنه «الموقف المحفوف بالمخاطر للمحكّم أو الوسيط»، إذ يعرض القيم المتعارضة ويترك للمشاهد مهمة إعادة فحص موقفه وتذكر آخر مرة شكك فيها في أنه يقف دائمًا في الجانب الصحيح. وبحسب رؤيته، يبدأ الحوار الحقيقي عندما يستمع كل طرف إلى الآخرين، لا عندما يكتفي بتحليل ما تقوله الشخصيات أو يصدق روايتها مباشرة، لأن الشخصيات في السينما، مثل الناس في الحياة، قد تكذب وتحاول التأثير في الآخرين.
من الصحافة الرومانية إلى صناعة الأفلام
بدأ مونجيو العمل في الصحافة عام 1987، وكان يبلغ من العمر 19 عامًا، بعدما كان يحلم بأن يصبح راويًا وكاتبًا ثم مخرجًا. لكنه رأى أن الالتحاق بمدرسة السينما خلال الحقبة الشيوعية في رومانيا لم يكن مسارًا عادلًا أو متاحًا له، فاتجه إلى الكتابة والعمل في صحيفة، حيث مارس كتابة الأخبار والتقاط الصور.
وقال إن هذين النشاطين كانا أقرب ما يستطيع الوصول إليه من صناعة الأفلام في ذلك الوقت. وما زال أسلوبه في كتابة السيناريوهات، بحسب قوله، متأثرًا بتلك المرحلة التي تعلم فيها كيفية صياغة الخبر.
بعد سقوط جدار برلين وانهيار الشيوعية، أصبحت الصحافة لفترة مهنة شديدة الحماس في رومانيا، إذ كان الناس متعطشين لما سموه «الحقيقة» بعد سنوات طويلة من غياب الصحافة الحرة. ويؤكد مونجيو أن تلك التجربة شكلت طريقته في السرد؛ فهو لا يضيف رأيه مباشرة عند وصف الأحداث، بل يعرض الوضع الخارجي كما يظهر، ثم يترك للمشاهد مهمة استخلاص النتيجة.
ويقول المخرج إنه لا يريد قيادة الجمهور خلال القصة أو إخباره بما يجب أن يعتقده، بل يشجعه على استخدام حسه النقدي وتحليل الوقائع. فالاكتفاء بتصديق أقوال الشخصيات قد يؤدي إلى التلاعب بالمشاهد، لأن الشخصيات قد تكون مضللة أو متلاعبة مثل البشر في الحياة الواقعية.
كما انتقد مونجيو بعض الأفلام الرومانية التي شاهدها في فترة الرقابة، إذ بدت، حسب وصفه، وكأنها تستخدم أشخاصًا يشبهون المواطنين ويتحدثون لغتهم، لكنها لا تشبه الواقع في شيء. وكانت الشخصيات غير مقنعة نفسيًا، والحوارات تبدو رسائل دعائية مكتوبة بصياغة نحوية سليمة. ومن هنا، بدأ مع آخرين في تطوير فكرة أن صناعة الأفلام لا تحتاج دائمًا إلى التعقيد، بل يمكن أن تبدأ من استيعاب الواقع نفسه.
الفيلم يخرج من النرويج إلى قضايا أوسع
قال مونجيو إن متابعته للقضايا المتعلقة بالأسر المهاجرة جعلت بعض الأشخاص يتعاملون معه بوصفه خبيرًا في هذا الملف. وتلقى صباح المقابلة رسالة من أسرة ألمانية-نرويجية تطلب مساعدته، مؤكدًا أنه يرد على الرسائل، لكنه ليس بطلًا خارقًا قادرًا على حل هذه الأوضاع.
وخلال الجولة الترويجية للفيلم في النرويج، التقى أشخاصًا من طرفي النقاش. وروى أن إحدى المشاهدات كانت تبكي وهي تتحدث عن خوفها الشديد من أن تأخذ السلطات أطفالها، إلى حد أنها قررت الإجهاض تفاديًا لخوض تجربة مماثلة.
وفي المقابل، التقى أشخاصًا يؤيدون بالكامل وجهة نظر حماية الأطفال في الفيلم، وقالوا إنهم لو تعرضوا في مجتمع محافظ لسحب أطفالهم منهم فلن يهتم أحد بمصيرهم. ويرى مونجيو أن هذه المواقف تظهر ميل الناس إلى الاعتقاد بأن التطرف الخاطئ يمكن مواجهته بتطرف آخر، وهو ما لا ينبغي أن يكون الحل.
وبدلًا من ذلك، يدعو الفيلم إلى مزيد من محاولات الاندماج والتعاطف والانفتاح على الحوار، لأن المجتمعات لا تستطيع الاستمرار داخل فقاعات منفصلة، بينما يمكن للاستقطاب والكراهية والعدوان أن ينتهيا إلى عنف شديد.
لا يختصر «Fjord» القضية في العلاقة بين رومانيا والنرويج أو في عمل «بارنفِرنيت» وحدها، إذ يرى مونجيو أن التوتر نفسه يظهر في الولايات المتحدة أيضًا. والفيلم، من وجهة نظره، لا يبحث عن حكم نهائي بقدر ما يطلب من المشاهد التفكير في طريقة تعامله مع الأقلية عندما لا تشاركه قيمه.
وعلى المستوى الفني، يقول مونجيو إنه يؤمن بتنوع طرق صناعة الأفلام، وإن أفلام الترفيه تظل شكلًا مشروعًا من السينما، لكنها لا ينبغي أن تكون الشكل الوحيد. أما الأعمال التي يحاول تقديمها فتسعى إلى جعل الناس يفكرون أكثر قليلًا، وإلى تنبيههم إلى العالم الموجود بجوار عالمهم.
ويعتمد المخرج على ضبط دقيق لحركة الممثلين والمشاهد، ويحاول قدر الإمكان تجنب كثرة القطع والمونتاج، لأنه يرى أن القطع يضيف تفسيرًا من صانع الفيلم. ومع ذلك، لا يعتبر التقاط الواقع كما هو الهدف الوحيد للفن، بل يريد استخدام السينما أداة تجعل المشاهد أكثر انتباهًا إلى ما يحدث من حوله.
أُطلق «Fjord» في عدد محدود من دور السينما الأمريكية في 9 أكتوبر، على أن يبدأ عرضه الواسع في الولايات المتحدة في 23 أكتوبر.
المصدر: theverge