خلّفت السيول الناجمة عن أمطار غزيرة في إسطنبول التركية خمسة قتلى وخمسة مفقودين، بعدما تحولت أجزاء واسعة من المدينة إلى بحيرات وغمرت المياه مئات المنازل والمتاجر، فيما بلغ معدل الهطول 273 كيلوغرامًا لكل متر مربع، وهو مستوى لم تشهده المدينة منذ عام 1942.
وتسببت كتل هوائية باردة قادمة من البلقان وأنظمة ممطرة من وسط البحر المتوسط في فيضانات بعدة ولايات تركية، لكن إسطنبول كانت الأكثر تضررًا. وأدى سوء التخطيط العمراني وضعف البنية التحتية إلى تفاقم الأضرار، إذ غمرت المياه حتى الطوابق العليا من مجمعات سكنية شُيدت قرب مجاري الأنهار، كما تضررت مئات المنازل وأماكن العمل وجرفت السيول عشرات المركبات.
ووصل وزير البيئة والتخطيط العمراني والتغير المناخي مراد كوروم ووزير الداخلية مصطفى تشفتشي إلى إسطنبول لمتابعة أعمال الاستجابة ميدانيًا، وشاركا في اجتماع لإدارة الكوارث والطوارئ التركية قبل الإدلاء بتصريحات حول الأضرار والجهود المبذولة.
273 كيلوغرامًا من الهطول لكل متر مربع
وقال كوروم إن إسطنبول لم تشهد أمطارًا بهذه الغزارة منذ 84 عامًا، موضحًا أن كمية الهطول بلغت 273 كيلوغرامًا لكل متر مربع، بما يعادل ارتفاعًا مائيًا قدره 27 سنتيمترًا.
وأضاف أن المدينة سجلت 48 انهيارًا أرضيًا، وانهيار 53 جدارًا استناديًا، ونفوق 109 حيوانات. وخلال يومين، تلقت فرق الطوارئ 9,755 بلاغًا، استجابت فورًا لـ7,800 منها، وتمكنت من إنقاذ 3,057 شخصًا.
وبدأت السلطات أعمال حصر الأضرار، إذ أظهرت التقييمات الأولية في منطقة أيّازاغا تضرر 300 متجر و200 مركبة. وقال كوروم إن جميع أشكال الدعم ستُقدَّم إلى الأشخاص الذين تضررت حقولهم أو منازلهم أو ممتلكاتهم، تنفيذًا لتوجيهات الرئيس، داعيًا السكان إلى الاطمئنان.
وأشار الوزير إلى إغلاق ستة طرق أمام حركة المرور في مناطق أيوب سلطان وساريير وشيشلي، مؤكدًا استمرار الإجراءات الاحترازية. كما أعلن استمرار التحذير الأصفر في إسطنبول، بينما صدر تحذير برتقالي في ولايتي زونغولداك ودوزجه.
وطلب كوروم من السكان عدم مغادرة منازلهم إلا عند الضرورة، وإبلاغ القائمقامين أو البلديات بأي احتياجات عاجلة، مشددًا على أهمية جعل إسطنبول مدينة أكثر قدرة على الصمود أمام مختلف الكوارث.
تحذيرات من عبور مياه السيول
وقال وزير الداخلية مصطفى تشفتشي إن 46,597 موظفًا وعنصرًا يعملون في إسطنبول، بينما يبلغ إجمالي المشاركين في عمليات الاستجابة على مستوى تركيا 58,085 شخصًا.
ودعا تشفتشي المواطنين إلى التزام الهدوء عند مواجهة خطر الفيضانات، ومغادرة مجاري الأنهار والمناطق المنخفضة والأماكن المعرضة للغمر دون تأخير. وحذر من محاولة عبور مناطق المياه الجارفة أو التيارات، سواء سيرًا على الأقدام أو باستخدام المركبات.
ضحايا السيول في إسطنبول وكوجايلي
كان الفتى محمود إشيلداك، البالغ 14 عامًا، من بين الضحايا بعدما خلع حذاءه حتى لا يبتل أثناء هطول المطر، قبل أن يتعرض لصعق كهربائي داخل تجمع مائي في متنزه تشوكوربوستان بمنطقة الفاتح. كما توفي S.Y.، البالغ 34 عامًا، بعدما فقد توازنه أثناء محاولته عبور الطريق في شارع ديربويُو بمنطقة أيّازاغا في ساريير، وسقط وارتطم رأسه بالرصيف، لكنه فارق الحياة في المستشفى متأثرًا بإصاباته الخطيرة.
وعُثر على جثمان شخص جرفته السيول في متنزه سادابات بمنطقة كاغيتهانة، على مسافة 15 كيلومترًا من المكان الذي جرفته منه المياه، بعدما علق بجانب جسر قرب مجرى مائي. وتبين أن الجثمان يعود إلى أحمد أوستا، البالغ 56 عامًا.
وفي منطقة بيكوز، سقط فائق شنتورك، الذي كان يعمل في موقع بناء مدرسة بشارع ديغيرمندره، داخل بئر أثناء محاولته تصريف المياه المتجمعة فيه. وتمكنت فرق الإنقاذ، بعد جهود طويلة، من انتشال جثمانه ونقله إلى المشرحة.
أثارت وفاة محمود ألمًا مضاعفًا لدى عائلته، إذ قال عمه مصطفى إشيلداك إن الأسرة فقدت خلال أشهر قليلة ثلاثة من أفرادها؛ فقد توفي شقيقه عمر فاروق إشيلداك، والد محمود، في 26 مارس، ثم توفيت والدته في 21 يوليو، قبل وفاة الفتى في السيول.
وأوضح العم أن محمود كان الابن الأوسط في العائلة، وأنه كان حافظًا للقرآن إلى جانب شقيقتين وشقيقين، وكان يتلقى تعليمًا في مدرسة دينية. وقال إن الحزن الذي أصاب الأسرة يفوق الكلمات، وإن الفتى دُفن إلى جانب والده.
وفي ولاية كوجايلي المجاورة لإسطنبول، جرفت السيول مصطفى غديكلي، المختار السابق لحي يايلاجك في منطقة باشيسكيلي، بعدما باغتته الأمطار أثناء عمله في الحقل برفقة زوجته. وقال لزوجته: «لنعد إلى المنزل، انتظريني ريثما أحضر السيارة»، ثم ابتعد عنها ولم يعد.
وبعد إبلاغ الزوجة، توجهت فرق الإنقاذ إلى المنطقة وراجعت تسجيلات كاميرات المراقبة، ليتبين أن غديكلي جرفته المياه بسيارته إلى مجرى مائي. وعُثر على السيارة وجثمانه على بعد كيلومترين، بينما تواصل الفرق البحث عن شخص آخر ما زال مفقودًا في الولاية.
المصدر: Türkiye Gazetesi