عاجل | قبل محركات الطيران ومسيّرات بايكار.. كيف بدأت تركيا تصنيع محركاتها محليًا؟

بدأت مساعي تركيا لتقليص اعتمادها على الخارج في مجال المحركات بمشروع قاده نجم الدين أربكان لإنتاج محركات ديزل محلية، قبل أن تمتد هذه الرؤية إلى محركات الطيران وأنظمة الدفع ومشاريع الصناعات الدفاعية التي تطورها شركات تركية اليوم.
خبرة أربكان في ألمانيا
بعد الحرب العالمية الثانية، كانت أوروبا تعمل على إعادة بناء صناعتها، بينما كانت تركيا تستورد المحركات المستخدمة في قطاعات تمتد من الزراعة إلى الصناعة. وفي تلك الفترة، لفت نجم الدين أربكان الأنظار في جامعة إسطنبول التقنية بفضل مسيرته الأكاديمية المبكرة، ولاحظ عن قرب حجم اعتماد تركيا على الخارج في مجال المحركات خلال عمله وأبحاثه في ألمانيا.
عمل أربكان في مصنع دويتس الألماني في مجالي الصناعات الثقيلة وتكنولوجيا المحركات. وتشير المصادر إلى مشاركته في فريق بحثي ضمن مشاريع لتطوير محركات دبابات ليوبارد، إلى جانب عمله على تصميم محركات قادرة على التشغيل باستخدام أنواع مختلفة من الوقود. وبعد عودته إلى تركيا، سعى إلى نقل خبرته الهندسية إلى بلاده والبدء في إنتاج محركات محلية.
غوموش موتور وتجربة الإنتاج المحلي
في عام 1956، تأسست شركة «غوموش موتور للصناعة والتجارة» بمشاركة نحو 200 شريك، بهدف تصنيع محركات ديزل بالإمكانات التركية. ولم يقتصر المشروع على تجميع المحركات، إذ أُنشئ فيه مسبك، وورش لصناعة النماذج، ومنشآت لإنتاج المكابس، إلى جانب مختبرات للاختبار، بهدف تصنيع جزء كبير من مكونات المحرك محليًا.
وبعد سنوات من العمل، خرجت من خطوط الإنتاج أول محركات ديزل محلية مخصصة لأنظمة الري، ومضخات الآبار العميقة، والآلات الزراعية. ومثّل ذلك خطوة مهمة لتركيا على طريق بناء قدراتها في تكنولوجيا المحركات.
لكن استمرار الإنتاج لم يكن سهلًا، إذ واجه المصنع نقصًا في رأس المال، وصعوبات في توفير العملات الأجنبية، ومنافسة سعرية من المنتجات المستوردة. وقال أربكان في تقييمات لاحقة إن الإنتاج المحلي لم يحظَ بالدعم الكافي، بينما ربطت دراسات أكاديمية الصعوبات التي واجهها المصنع بالظروف الاقتصادية السائدة في تلك المرحلة.
وفي عام 1964، نُقلت حصة كبيرة من أسهم الشركة إلى تعاونيات مزارعي البنجر، واستمر الإنتاج تحت اسم «بانجار موتور».
من المحركات إلى الصناعات الدفاعية
لم تتوقف دلالة تجربة أربكان عند مصنع المحركات، إذ اعتُبرت رؤيته للإنتاج المحلي إحدى الأفكار التي أثرت لاحقًا في تشكيل توجه تركيا في مجالي التكنولوجيا والصناعات الدفاعية. وكان أوزدمير بيرقدار، مؤسس شركة بايكار وأحد طلاب أربكان في جامعة إسطنبول التقنية، من المهندسين الذين تبنوا مفهوم التكنولوجيا المحلية والوطنية.
وفي مرحلة لاحقة، عمل بيرقدار مع نجليه هالوك وسلجوق بيرقدار على تطوير الطائرات المسيّرة في تركيا. وأصبحت بايكار اليوم واحدة من شركات التكنولوجيا البارزة في قطاع الصناعات الدفاعية.
فإن المسار الممتد من خبرة أربكان في مصنع دويتس إلى تأسيس غوموش موتور، ثم من سنوات دراسة أوزدمير بيرقدار إلى مشاريع بايكار، يعكس انتقال فكرة تقليص الاعتماد على الخارج إلى برامج تكنولوجية متقدمة في تركيا.
وتطورت أعمال تركيا في مجال المحركات خلال العقود التالية بدرجة كبيرة. ومن أبرز الأمثلة محركات الطيران التي تطورها شركة «تي إي آي»، ومحرك «باتو» الذي تطوره شركة «بي إم سي باور» لدبابة «ألتاي»، وأنظمة الدفع المحلية المستخدمة في منصات شركة «توساش»، إلى جانب مشاريع جديدة مستمرة في قطاع الصناعات الدفاعية.
ويواصل آلاف المهندسين والفنيين والعمال والعلماء العمل على هذا المسار التكنولوجي، فيما لا تزال مبادرة غوموش موتور حاضرة بوصفها واحدة من أولى الخطوات الصناعية المهمة التي اتخذتها تركيا لتحقيق هدف الإنتاج المحلي.
المصدر: Türkiye Gazetesi




