تخطط شركة بي واي دي، أكبر شركات الصين في إنتاج السيارات الكهربائية، لفتح عدد كبير من نقاط البيع في ألمانيا، بحيث لا يضطر أي شخص إلى السفر أكثر من 20 دقيقة لشراء إحدى سياراتها. وتبرز الخطوة طموح الشركات الصينية للتوسع في سوق السيارات الأوروبية، فيما تنظر شركة شاومي إلى ألمانيا باعتبارها حجر الأساس لخطط نموها في القارة، بعد بيعها 700 ألف سيارة في السوق الصينية.
وتُعد ألمانيا موطن صناعة السيارات، ومقر شركات فولكسفاغن وبي إم دبليو ومرسيدس-بنز، كما أصبحت أحد أبرز الأسواق المستهدفة من الشركات الصينية التي تبيع سيارات بأسعار أقل بكثير من نظيراتها الأوروبية.
وقال محلل السيارات الألماني فرديناند دودنهوفر، الذي شغل سابقاً مناصب إدارية في بورشه وشركات أخرى، إن العملاء لا يهتمون بما إذا كانت السيارة صينية أم ألمانية، بل يركزون أساساً على السعر.
أسعار أقل ومبيعات تتسع
بعد إبعاد شركات السيارات الصينية عن السوق الأميركية بفعل الرسوم الجمركية، اتجهت تلك الشركات إلى أسواق خارجية أخرى، وكانت أوروبا من أبرز أهدافها. وأسهم الارتفاع السريع في أسعار البنزين في زيادة الاهتمام بالسيارات الكهربائية، بينما جذبت العلامات الصينية منخفضة التكلفة المشترين في أنحاء القارة.
قبل خمسة أعوام، كانت السيارات ذات العلامات الصينية تمثل سيارة واحدة فقط من كل 100 سيارة مباعة في أوروبا. أما اليوم، فقد ارتفعت النسبة إلى نحو سيارة واحدة من كل 10 سيارات.
وتزداد قوة العلامات الصينية سريعاً في مواجهة شركات رائدة مثل فولكسفاغن. فقد ارتفعت مبيعات بي واي دي في أوروبا هذا العام بأكثر من الضعف، بينما نمت مبيعات شركة شيري بوتيرة أسرع. كما تصدرت سيارة جايكو 7 التابعة لشيري قائمة السيارات الأكثر مبيعاً في بريطانيا خلال سبتمبر/أيلول، حتى إن بعض المتابعين أطلقوا عليها لقب «رنج روفر تيمو»، في إشارة إلى تطبيق التسوق الصيني المعروف بأسعاره المنخفضة.
وتستعد شاومي لدخول المنافسة الألمانية عبر اتفاقات مع 8 وكلاء.
ولا يقتصر التوسع على ألمانيا. ففي إسبانيا، كانت هناك نحو 600 وكالة تبيع العلامات الصينية في نهاية العام الماضي، وتتوقع جمعية وكلاء السيارات في مدريد «فاكوناوتو» ارتفاع العدد إلى 1,000 وكالة بحلول نهاية عام 2026. وخلال ثلاثة أعوام، تضاعفت حصة العلامات الصينية في السوق الإسبانية 5 مرات تقريباً لتصل إلى نحو 15%، بقيادة بي واي دي و«إم جي»، العلامة البريطانية العريقة التي أصبحت مملوكة لشركة صينية حكومية.
وقالت مارتا بلاسكيز، رئيسة «فاكوناوتو»، إن هذا التطور «جيد جداً للإسبانيين»، موضحة أن العلامات الصينية لا تزال تتمتع بميزة سعرية مهمة مقارنة بمنافسيها الأوروبيين، رغم تقلص فارق الأسعار الذي بلغ في السنوات الأخيرة 30%.
وبحسب تقديرات نشرها مركز التحليل السياسي الأوروبي في فبراير/شباط، يتراوح متوسط سعر البداية لسيارة كهربائية من بي واي دي في أوروبا بين 30 ألفاً و45 ألف يورو، بينما تقترب أسعار السيارات الكهربائية الأوروبية من 50 ألف يورو.
أوروبا بين حماية الصناعة وخفض الأسعار
يحمل التوسع الصيني في سوق السيارات الأوروبية مفارقة واضحة: فالمستهلكون يزدادون إقبالاً على السيارات الأرخص، بينما يحاول المسؤولون كبح هذا التدفق. وتوصل الاتحاد الأوروبي، يوم الجمعة، إلى اتفاق مع بكين قد يؤدي، وفق مسؤولين أوروبيين، إلى خفض عدد السيارات الهجينة التي تعمل بالبنزين والكهرباء والمصدرة إلى الاتحاد بنسبة النصف خلال الأعوام الأربعة المقبلة.
وقد يخفف الاتفاق الضغط عن شركات السيارات الأوروبية، لكن آلية تنفيذه لا تزال غير واضحة في جوانب عدة. وتشكل صناعة السيارات نحو 7% من الناتج الاقتصادي للاتحاد الأوروبي، ويُنظر إلى الواردات الصينية الأرخص باعتبارها تهديداً لها.
وحذر ستيفان سيجورنيه، المسؤول الأوروبي عن الصناعة، من أن القطاع يواجه «خطراً مميتاً»، بينما توقعت رابطة صناعة السيارات الألمانية خسارة ما يصل إلى 225 ألف وظيفة بحلول عام 2035.
ويواجه الاتحاد الأوروبي ضغوطاً متزايدة لاتخاذ إجراءات أكثر صرامة لحماية صناعته من ممارسات تعتبرها الشركات منافسة غير عادلة. وقال هارالد هندريكسه، المدير العام لـ«سيتي ريسيرتش»، إن عدم التدخل قد يسمح للشركات الصينية بمضاعفة حصتها 3 مرات في سوق السيارات الأوروبية، لتصل إلى 30% بحلول عام 2035.
فإن المعضلة الأوروبية تتمثل في كيفية حماية المصانع والوظائف المحلية، مع إبقاء السيارات في متناول المستهلكين. وقال ديفيد بيلي، أستاذ سياسات الصناعة في جامعة برمنغهام، إن الحمائية لا توفر مكاسب مجانية، مضيفاً أن شركات السيارات الأوروبية والبريطانية قد تحصل على فرصة لالتقاط الأنفاس، لكن المستهلكين، خصوصاً في فئة السيارات منخفضة السعر، قد يواجهون أسعاراً أعلى وخيارات أقل.
وفرض الاتحاد الأوروبي في عام 2024 رسوماً جمركية تصل إلى 45% على السيارات الكهربائية المستوردة من الصين، في محاولة لموازنة أثر الدعم الذي تقدمه بكين لشركاتها. لكن السيارات الهجينة، التي كانت تمثل جزءاً صغيراً من السوق آنذاك، لم تشملها تلك الإجراءات، فحوّل المصنعون الصينيون اهتمامهم إلى تصدير السيارات الهجينة التي تخضع لرسوم قدرها 10% فقط.
الهجينة تفتح الطريق أمام الشركات الصينية
ومنذ ذلك الحين، تدفقت السيارات الهجينة الصينية إلى السوق الأوروبية، وأصبحت تمثل أكثر من خمس إجمالي مبيعات السيارات الهجينة. ودفع ذلك صانعي السياسات إلى بحث قيود تجارية أوسع. ووفق بيانات شركة «داتا فورس» المتخصصة في متابعة قطاع السيارات، استحوذت الشركات الصينية على أكثر من نصف سوق السيارات الهجينة القابلة للشحن في بولندا والمجر ورومانيا.
لكن تجارب سابقة تشير إلى أن الحد من إمدادات السيارات الصينية قد يؤدي إلى رفع الأسعار، وهو ما قد يخدم المنتجين الصينيين على المدى الطويل. ففي عام 2013، وافقت الصين على خفض عدد الألواح الشمسية التي تصدرها إلى أوروبا، لكنها رفعت الأسعار في المقابل وحققت أرباحاً أكبر، ثم استثمرت تلك العائدات في الأبحاث وإنشاء مصانع جديدة. واليوم تهيمن الصين على قطاع الطاقة الشمسية العالمي.
ويرى محلل السيارات الألماني ماتياس شميدت أن الشركات الصينية تتبنى استراتيجية طويلة الأمد، وتتعامل مع المرحلة الحالية بوصفها «جسراً» إلى تصنيع السيارات داخل الأراضي الأوروبية. وأشار في هذا الصدد إلى شراكة «ليب موتور» مع «ستيلانتس» لإقامة إنتاج مشترك، وإلى خطط بي واي دي لإنتاج السيارات في المجر.
ألمانيا بوابة الاختبار الكبرى
حتى إذا أدت الإجراءات التجارية الجديدة إلى إبطاء تقدم الشركات الصينية، فإنها لا تزال ترى فرصاً واسعة في أوروبا. ففي إسبانيا، لاقت السيارات الكهربائية والهجينة طلباً قوياً واستفادت من تنامي الاهتمام بهما؛ فقد اقتربت مبيعات السيارات الكهربائية من مبيعات السيارات العاملة بالبنزين، فيما باتت السيارات الكهربائية والهجينة معاً تمثلان أكثر من ثلثي السوق الأوروبية.
وفي ألمانيا، ما زالت العلامات الصينية لاعبة صغيرة نسبياً، لكنها تنمو بسرعة. وأعلنت بي واي دي أنها تخطط لرفع عدد وكلائها في البلاد إلى 300 وكيل بحلول نهاية العام. وقالت شركة الاستشارات الباريسية «إينوف» إن مبيعات السيارات الصينية في ألمانيا ارتفعت بأكثر من الضعف خلال عام 2025، وواصلت صعودها السريع هذا العام.
وقال ستيفان براتسل، مدير مركز إدارة السيارات في ألمانيا، إن أهمية السوق الألمانية للشركات الصينية تختصرها عبارة منسوبة إلى فرانك سيناترا: «إذا استطعت النجاح هناك، فستستطيع النجاح في كل مكان».
المصدر: gazeteoksijen