توفي محمود إيشيلداك، البالغ من العمر 14 عامًا، إثر تعرضه لصعقة كهربائية بعدما وطئت قدماه بركة مياه خلال هطول أمطار غزيرة في حي بالات بمنطقة الفاتح في إسطنبول، يوم 14 أكتوبر 2026. وأعاد الحادث النقاش حول إمكان تفادي الوفاة، ولا سيما أن الفتى كان قد فقد والده قبل ستة أشهر فقط.
وقال عيسى كاراكاش، الكاتب في صحيفة Türkiye Gazetesi والمفتش العام الذي أمضى سنوات في تفتيش حوادث العمل بالمناجم والسفن، وخبير السلامة المهنية من الفئة «أ»، إن الحادث نتج عن سلسلة من انعدام المسؤولية والإهمال، داعيًا الجهات المعنية إلى محاسبة المسؤولين عن سلامة شبكات الكهرباء وتصريف مياه الأمطار.
حادثة إسطنبول ليست الأولى
استحضر كاراكاش حادثة أخرى وقعت في 12 يوليو 2024 بمنطقة ألسانجاك التابعة لكوناك في إزمير، حين تعرضت أوزغه جيرين دنيز، البالغة من العمر 23 عامًا، لصعقة كهربائية بعدما وطئت بركة مياه في الشارع. وحاول إينانش أوكتمَاي، البالغ 44 عامًا، إنقاذها، لكنه فقد حياته هو الآخر في المكان.
وأوضح الكاتب أن سكان الشارع في إزمير كانوا قد أبلغوا لسنوات عن تسرب كهربائي، كما اشتكى أصحاب المتاجر مرارًا من تعرضهم للصعق، لكن تلك التحذيرات لم تؤدِّ إلى تدخل حاسم. ورأى أن تجاهل البلاغات حوّل بعض الشوارع إلى ما يشبه «ألغامًا موقوتة» تحت الأرض، مؤكدًا أن هذه الوفيات لا يمكن تبريرها باعتبارها حوادث لا يمكن توقعها، بل هي، وفق تقييمه، نتيجة سلسلة من الإخفاقات الفنية والإدارية القابلة للتوقع والمنع.
شدد كاراكاش على أن المسؤولية لا ينبغي أن تختبئ خلف اسم المؤسسة أو الشركة، لأن الكيانات الاعتبارية لا تدخل السجن ولا تنفذ العقوبات، بينما يتحمل المسؤولية أمام القضاء أشخاص حقيقيون، من بينهم المهندس الذي يدفن كابلًا غير مطابق للمواصفات، والمفتش الذي لا ينزل إلى الميدان، ورئيس الفريق الذي يتجاهل بلاغات الأعطال، والمسؤول الذي لا يعالج فتحات تصريف المياه المسدودة.
ما تقوله القواعد الجنائية والمدنية
أشار الكاتب إلى أن المادة 85 من قانون العقوبات التركي تنظم جريمة القتل الناتج عن الإهمال، وتفرض في حالة وفاة شخص واحد عقوبة بالسجن من عامين إلى ستة أعوام، بينما تتراوح العقوبة عند وفاة أكثر من شخص أو وقوع إصابات بين عامين و15 عامًا.
وتنص المادة 22 من القانون نفسه على أن الإهمال يتمثل في مخالفة واجب الانتباه والعناية. أما إذا كان الشخص قد توقع احتمال وقوع النتيجة، ثم تصرف على أساس أن «شيئًا لن يحدث»، فقد ينطبق وصف الإهمال الواعي، وهو ما يؤدي إلى تشديد العقوبة، وفق العرض القانوني الذي قدمه كاراكاش.
وفي الجانب المدني، اعتبر كاراكاش أن نشاط توزيع الكهرباء يدخل ضمن الأعمال التي تنطوي على خطر كبير، ولذلك يتحمل المشغّل، بموجب قانون الالتزامات التركي، مسؤولية الخطر عن الأضرار حتى من دون إثبات الخطأ المباشر بالطريقة التقليدية. كما قال إن دفع الشركة بأنها لم تكن على علم بالمشكلة أو أنها لم ترتكب خطأً لا يحسم المسؤولية قانونيًا، مشيرًا إلى اجتهادات محكمة التمييز التركية التي تعاملت مع خطوط الكهرباء باعتبارها منشآت مادية تخضع لمسؤولية الخطر.
وبموجب لائحة منشآت التيار الكهربائي القوي، يجب أن تضمن المنشآت سلامة الأرواح والممتلكات، كما ينبغي دفن الكابلات الأرضية في الشوارع على عمق لا يقل عن 80 سنتيمترًا. وتتوزع المسؤولية، بحسب طبيعة الخلل، بين البلديات المكلفة بتصريف مياه الأمطار وشركات توزيع الكهرباء المسؤولة عن سلامة الخطوط.
سلسلة إخفاقات تبدأ من الكابل ولا تنتهي عند المصرف
عدد كاراكاش أسبابًا قال إنها تفسر استمرار هذه الحوادث، مستندًا إلى خبرته في التفتيش والسلامة المهنية. ومن أبرزها دفن الكابلات على أعماق أقل من الحد المحدد، بما يجعلها قريبة من سطح الأرض، وانقطاع سلسلة الصيانة عندما تبقى البلاغات مسجلة في الأنظمة من دون أن تصل إلى فرق الميدان.
كما تحدث عن غياب التنسيق بين الجهات التي تعمل في البنية التحتية، إذ قد تقوم مؤسسة بأعمال حفر فتتسبب في قطع كابل تابع لجهة أخرى من دون معالجة آثار الضرر. وأضاف أن انسداد فتحات تصريف مياه الأمطار يحول الشوارع إلى برك، ما يسمح بانتقال التيار المتسرب عبر المياه، بينما تبقى أعمال التفتيش، في رأيه، شكلية أو ورقية بعد خصخصة قطاع التوزيع.
وأكد أن هذه الوفيات ليست نتيجة طبيعية لاجتماع المطر والكهرباء، بل حصيلة سلسلة من الإهمال الفني والإداري التي كان من الممكن توقعها ومنعها. وقال إن تكرار الحوادث لا يجعلها أمرًا طبيعيًا، بل يكشف عن إخفاق يمكن تجنبه إذا عولجت البلاغات وأُجريت أعمال الصيانة والرقابة في الوقت المناسب.
حلول مقترحة وتشديد على وقاية السكان
اقترح الكاتب إنشاء خريطة رقمية متكاملة للبنية التحتية باستخدام نظم المعلومات الجغرافية GIS، بحيث تُسجل جميع الخطوط الموجودة تحت الأرض، مع جعل رقابة غرفة المهندسين الكهربائيين EMO إلزامية.
كما دعا إلى تركيب قواطع تسرب كهربائي وأنظمة فصل تلقائي للطاقة في المناطق عالية الخطورة، وفرض غرامات كبيرة على الجهة التي لا تتدخل خلال ساعتين إلى أربع ساعات من تلقي البلاغات عبر خط الطوارئ 186. وطالب أيضًا بمنع الموظفين الذين يثبت إهمالهم من ممارسة المهنة، ووضع بروتوكول مشترك للأزمات بين البلديات وشركات التوزيع، بحيث تُتخذ انقطاعات وقائية في المناطق الخطرة فور صدور تحذيرات الأرصاد الجوية.
ومن بين مقترحاته كذلك رفع الحد الأدنى للعقوبة في حالات الوفاة الناتجة عن الإهمال الواعي، وتعزيز وعي السكان بمخاطر السير حفاة أثناء الأمطار الغزيرة أو الاقتراب من تجمعات المياه.
وختم كاراكاش بالتذكير بضحايا الحوادث السابقة، قائلًا إن محمود كان في الرابعة عشرة من عمره، وإن أوزغه جيرين دنيز كانت طالبة طب شابة، بينما فقد إينانش أوكتمَاي حياته أثناء محاولته إنقاذ إنسان آخر. واستشهد بقول الشاعر التركي محمد عاكف أرصوي: «لو اتُّعظ من التاريخ، فهل كان سيتكرر؟»، معتبرًا أن عدم استخلاص العبر يؤدي إلى تكرار الوقائع واستمرار الألم.
ورأى الكاتب أن هذه الوفيات ليست نتيجة طبيعية للأمطار والكهرباء، بل حصيلة مؤلمة لسلسلة من الإهمال كان يمكن تفاديها. وحذر من أن كل موجة أمطار جديدة قد تحمل خطرًا مشابهًا إذا لم تُفرض رقابة ميدانية صارمة، مؤكدًا أن المواطنين لا ينبغي أن يفقدوا حياتهم بهذه الطريقة أثناء سيرهم في الشوارع.
المصدر: Türkiye Gazetesi