أخبار العالم

من جسر نخجوان إلى شراكة عابرة للأزمات.. كيف ترسخت علاقة تركيا وأذربيجان خلال 35 عامًا؟

مرّت 35 عامًا على استعادة أذربيجان استقلالها في 18 أكتوبر 1991، وخلال هذه الفترة تحولت علاقتها مع تركيا من دعم سياسي وإنساني في مرحلة الانفصال عن الاتحاد السوفيتي إلى شراكة واسعة تشمل الأمن والاقتصاد والتعليم والثقافة والطاقة والتقنيات الحديثة، وصولًا إلى التعاون تحت مظلة منظمة الدول التركية.

وتزامن استحضار هذه المسيرة مع نقاشات أثارتها في الآونة الأخيرة صور متداولة بشأن تطبيقات الزي المدرسي في أذربيجان، إذ امتدت ردود الفعل من الداخل الأذربيجاني إلى الرأي العام التركي. وربط بعض المتابعين تلك الصور بما وصفوه بعقلية 28 فبراير، في إشارة إلى مرحلة سياسية تركية سابقة.

ومع دعوات إلى تدخل سياسيين أتراك في القضية، رد رئيس مجلس الحكماء في منظمة الدول التركية وعضو المجلس الاستشاري الأعلى للرئاسة التركية، بن علي يلدريم، برسالة شددت على احترام سيادة أذربيجان. وقال يلدريم في مقابلة خاصة مع موقع «مانشيت.آز»: «من يملك الحق في التدخل في الشؤون الداخلية لأذربيجان؟ سنعاقب بأشد طريقة من يحاول ذلك. ما يتعين علينا فعله هو احترام القرارات التي تتخذها أذربيجان».

من «يناير الأسود» إلى الاعتراف بالاستقلال

تعود جذور التقارب الحديث بين البلدين إلى مرحلة سبقت إعلان الاستقلال. ففي ليلة 19 و20 يناير 1990، دخل الجيش السوفيتي العاصمة باكو وأطلق النار على مدنيين كانوا يطالبون بالاستقلال، في واقعة عُرفت باسم «يناير الأسود» أو «يناير الدموي»، وأسفرت عن مقتل 147 أذربيجانيًا.

وخلال الأيام الأخيرة للوجود السوفيتي في باكو، واجهت المساعدات الإنسانية التي أرادت تركيا إرسالها عراقيل، ما أدى إلى احتجاجات. وبعد تفكك الاتحاد السوفيتي واستعادة أذربيجان استقلالها في 18 أكتوبر 1991، أصبحت تركيا نافذتها على العالم الغربي والمجتمع الدولي.

وفي 9 نوفمبر 1991، كانت تركيا أول دولة تعترف باستقلال أذربيجان، لتسهم في بدء مسار اكتساب الاستقلال شرعيته الدولية. ولم يقتصر الدعم التركي منذ ذلك الوقت على الجانب الدبلوماسي، بل امتد إلى المجالات العسكرية والاقتصادية والإنسانية والثقافية.

قره باغ ونخجوان: دعم سياسي وعسكري وإنساني

كان إقليما قره باغ ونخجوان في قلب أصعب مراحل تاريخ أذربيجان الحديث. وخلال حرب قره باغ الأولى، وبعد هجوم أرمينيا على أراضٍ أذربيجانية خارج الإقليم، ولا سيما منطقة كلبجار في أبريل 1993، أغلقت تركيا معبر عليجان الحدودي مع أرمينيا إلى أجل غير مسمى، وعلقت علاقاتها الدبلوماسية معها.

كما دافعت أنقرة بصورة نشطة عن وحدة الأراضي الأذربيجانية في اجتماعات مجموعة مينسك التابعة لمنظمة الأمن والتعاون في أوروبا، وفي اجتماعات الأمم المتحدة، ومارست ضغطًا دبلوماسيًا من أجل إدانة أرمينيا بوصفها قوة احتلال.

وفي عام 1992، وُقعت خلال زيارة حيدر علييف، الذي كان يشغل آنذاك منصب رئيس المجلس الأعلى لنخجوان، بروتوكولات ضمنت أمن المنطقة. واستندت تركيا في ردع أي هجوم أرميني محتمل على نخجوان إلى حقوق الضمان التي تمنحها لها معاهدة قارص الموقعة عام 1921.

لم تدخل تركيا حرب قره باغ الأولى بوصفها قوة محاربة، تفاديًا لمواجهة مباشرة مع روسيا، لكنها أدت دورًا محوريًا في إعادة بناء الجيش الأذربيجاني. وبموجب اتفاقية التعاون في التدريب العسكري الموقعة في 11 أغسطس 1992، توجه ضباط وضباط صف أتراك متقاعدون، بصفة تطوعية أو مكلفين، إلى أذربيجان لتقديم التدريب التكتيكي والفني.

وفي المقابل، أرسلت أذربيجان مئات الطلبة العسكريين ومرشحي الضباط إلى تركيا للدراسة في الكليات الحربية، ما وضع أسس بنية تدريب عسكري وفق معايير حلف شمال الأطلسي. وبينما ظل نقل الأسلحة الثقيلة مباشرة محدودًا بسبب التوازنات الدولية خلال الحرب، جرى تأمين احتياجات لوجستية من تركيا، بينها الذخائر والزي العسكري والتجهيزات الشتوية ومعدات الاتصالات.

واستمر التعاون العسكري في السنوات اللاحقة. فبعد توقيع اتفاقية التعاون الاستراتيجي رفيع المستوى والمساعدة المتبادلة في 16 أغسطس 2010، بدأت تركيا وأذربيجان تنظيم مناورات عسكرية دورية في نخجوان، كما وُجدت وحدات من القوات المسلحة التركية هناك في إطار التدريب والاستشارة.

وخلال حرب قره باغ الأولى، أُجبر نحو مليون أذربيجاني على النزوح من منازلهم بسبب احتلال قره باغ والمناطق المحيطة به. وأطلقت تركيا حملة مساعدات واسعة عبر الهلال الأحمر التركي، شملت إقامة مخيمات للنازحين وإرسال أطنان من الغذاء والملابس والبطانيات والمستلزمات الطبية.

وشاركت منظمات المجتمع المدني والمواطنون الأتراك في حملات مباشرة لجمع الغذاء والخيام والملابس والأدوية. كما نُقل مئات الجنود الأذربيجانيين الذين أصيبوا بجروح خطيرة في الجبهات إلى تركيا بواسطة سيارات إسعاف عسكرية ومدنية، وتلقوا العلاج مجانًا، ولا سيما في غاتا، وفي مستشفيات تركية أخرى.

وفي نخجوان، التي كانت تعاني حصارًا أرمينيًا، افتُتح جسر حسرت، المعروف أيضًا باسم جسر الأمل، فوق نهر أراس في 28 مايو 1992، ليربط المنطقة مباشرة بتركيا. وأسهم الجسر في إيصال الغذاء والوقود والكهرباء إلى سكان نخجوان بصورة متواصلة.

من القروض والاتصالات إلى التعليم والثقافة

واجهت أذربيجان في بدايات استقلالها انكماشًا اقتصاديًا، ففتحت البنوك التركية قروضًا بملايين الدولارات وبفوائد منخفضة، ما ساعد على استيراد الاحتياجات الأساسية وضمان استمرار عمل مؤسسات الدولة.

كما ساعدت تركيا في جعل البنية التحتية للاتصالات الأذربيجانية مستقلة عن موسكو، بعدما كانت البلاد في الحقبة السوفيتية لا تتصل بالعالم الخارجي إلا عبر العاصمة السوفيتية. وقدمت هيئة البريد والاتصالات التركية محطات اتصالات على سبيل المنحة، وأنشأت وصلات عبر الأقمار الصناعية، الأمر الذي دعم تطوير شبكة الاتصالات في أذربيجان.

وفي المجال التعليمي، أطلقت تركيا عام 1992 مشروع «الطالب الكبير»، الذي أتاح لآلاف طلاب المدارس والجامعات الأذربيجانيين الدراسة في تركيا بمنح كاملة. واستهدف المشروع تقوية الروابط الثقافية بين الشعبين والمساهمة في إعداد كوادر مؤهلة لأذربيجان.

وافتتحت وزارة التعليم الوطني التركية مدارس في باكو، بينما أسست مؤسسة الشؤون الدينية التركية عام 1992 كلية الإلهيات داخل جامعة باكو الحكومية. وساعد ذلك في سد الفراغ الذي نشأ في مجالي التعليم الديني والدراسات الأكاديمية بعد انهيار الاتحاد السوفيتي.

كذلك شارك لغويون وأكاديميون أتراك في لجان مشتركة خلال انتقال أذربيجان من الأبجدية السيريلية إلى الأبجدية اللاتينية، وقدمت تركيا دعمًا فنيًا شمل المطابع والبنية التحتية اللازمة لهذه العملية.

وبمشاركة جمهوريات تركية أخرى، أسست تركيا وأذربيجان عام 1993 منظمة «توركسوي»، التي توصف بأنها منظمة اليونسكو للعالم التركي. وأدى ذلك إلى تسريع مشاريع حماية التراث الثقافي والعمل الأدبي المشترك وتنظيم المهرجانات الفنية.

كما فتحت الوكالة التركية للتعاون والتنسيق «تيكا»، التي تأسست عام 1992، أحد مكاتبها الأولى في باكو. ونفذت الوكالة مشاريع عدة، من بينها ترميم مباني المدارس، وتوفير الأجهزة الطبية للمستشفيات، ودعم مشاريع التنمية الزراعية.

لم تعد العلاقة بعد نمو أذربيجان اقتصاديًا بفضل عائدات الطاقة قائمة على نموذج دولة مانحة وأخرى متلقية للمساعدة، بل انتقلت إلى شراكة بين دولتين تتحركان معًا على نطاق دولي.

وفي عام 2012، تحول مشروع «الطالب الكبير» إلى برنامج «منح تركيا» الأوسع والأكثر حداثة، ولا يزال آلاف الطلاب الأذربيجانيين يدرسون في تركيا، فيما يواصل طلاب أتراك تعليمهم في أذربيجان.

كما أُطلق مشروع جامعة تركيا-أذربيجان لتجميع الخبرات الأكاديمية في البلدين وتقديم التعليم وفق مناهج مشتركة، واستُكمل الأساس القانوني للمشروع بحلول عام 2024.

وشكل تنظيم معرض «تكنوفيست أذربيجان» في باكو عام 2022 مثالًا آخر على التعاون العلمي، إذ كان أول تنظيم للمعرض خارج تركيا، وشهد تشكيل فرق مشتركة من شباب البلدين في مجالات الصناعات الدفاعية والبرمجيات والطيران.

شراكة مؤسسية تتجاوز الحدود والأزمات

انتقلت العلاقات السياسية والثقافية إلى إطار مؤسسي دولي بعد الاتفاق الذي وُقع في نخجوان عام 2009، وأسهم في تأسيس منظمة حملت اسم منظمة الدول التركية منذ عام 2021. وأصبحت المنظمة مظلة دولية رسمية لتنسيق التعاون بين البلدين.

وفي «إعلان شوشا» الموقع عام 2021، أبدت تركيا وأذربيجان إرادة العمل المشترك ليس داخل حدودهما فحسب، بل أيضًا عبر جالياتهما في مناطق مختلفة من العالم. وشمل ذلك هدف تنظيم أنشطة ضغط وتعاون ثقافي مشتركة، خصوصًا من خلال جمعيات الجاليات في أوروبا والولايات المتحدة.

كما دعمت تركيا إعلان شوشا عاصمة للثقافة في العالم التركي لعام 2022.

وظهرت متانة العلاقة بوضوح خلال الأزمات. ففي فترة جائحة كورونا، تبادل البلدان أدوات الفحص والكمامات واللقاحات والمستلزمات الطبية، لتتوسع المساندة المتبادلة إلى المجال الصحي.

وخلال حرب قره باغ الثانية عام 2020، أطلقت المؤسسات الحكومية التركية ومنظمات المجتمع المدني ووسائل الإعلام والجامعات حملة واسعة للتعريف بما اعتبرته حقوق أذربيجان وقضيتها أمام العالم.

وعندما اندلعت حرائق الغابات الكبرى في جنوب تركيا عام 2021، أرسلت وزارة الطوارئ الأذربيجانية مئات رجال الإطفاء وطائرات برمائية للمساعدة في مكافحة النيران.

وبعد زلزال 6 فبراير 2023 المدمر الذي ضرب مناطق عدة انطلاقًا من كهرمان مرعش، أطلقت الدولة الأذربيجانية والشعب الأذربيجاني حملة إغاثة واسعة. وكانت أذربيجان أول دولة ترسل فريق بحث وإنقاذ إلى تركيا، فيما جمعت حملة «مساعدة الأخ» تبرعات شعبية شملت البطانيات المنزلية والوقود من السيارات لإرسالها إلى المتضررين.

كما خُصصت ميزانيات كبيرة لبناء مناطق إيواء ومستشفيات في منطقة الزلزال.

وتشير هذه المحطات، من الاعتراف المبكر بالاستقلال والدعم في نخجوان وقره باغ، إلى التعاون العسكري والتعليم والمنظمات الدولية والاستجابة للكوارث، إلى مسار علاقة توسعت تدريجيًا من المساندة إلى الشراكة. وفي ظل أي نقاشات أو انتقادات عابرة بين البلدين، ينبغي النظر إلى الانتقادات القادمة من أي من الجانبين باعتبارها، وفقًا لمقولة «الصديق يقول الحقيقة»، أمرًا لا يستهدف بالضرورة الإضرار بالعلاقة، مع ضرورة التحقق ممن قد يسعى إلى تقويضها.

للإطلاع على آخر الزلازل المسجلة في تركيا حتى اللحظة اضغط هنا

المصدر: Türkiye Gazetesi

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى