مجاري الأنهار المغطاة في إسطنبول تعيد خطر فيضانات البحر الأسود.. مياه بارتفاع 30 سم قد تجر السيارات

حذّر خبير تركي في الانهيارات الأرضية من أن تغطية مجاري الأنهار الصغيرة والتوسع العمراني فوق مسارات المياه الطبيعية يرفع خطر الفيضانات في إسطنبول، بعدما كشفت السيول الأخيرة حجم المشكلة في المدينة، التي تضم 10 مناطق مصنفة ضمن نطاق خطر الفيضانات وفق تقييمات متداولة تطابقت مع خريطة مخاطر أُعدت بالذكاء الاصطناعي.
وقال البروفيسور هاكان إرسوي، عضو مجلس إدارة مركز أبحاث وتطبيقات الانهيارات الأرضية في جامعة كارادينيز التقنية، إن خطر البناء العشوائي الذي عانت منه منطقة شرق البحر الأسود ظهر في إسطنبول أيضًا. وأوضح أن أعمال الهدم المنفذة ضمن مشاريع تأهيل مجاري المياه أعادت إلى الواجهة ضرورة إبقاء مسارات الجريان الطبيعية مفتوحة، وإخضاع مناطق السكن لتقييمات جدية لمخاطر الفيضانات.
تحذير من قوة المياه حتى عند ارتفاع محدود
وأشار إرسوي إلى أن المياه وصلت في بعض الطرق والأماكن التي يفترض أن تمر فيها السيول إلى ارتفاع بلغ 30 سنتيمترًا، ما أدى إلى جرف عدد من المركبات. وقال إن المياه التي تصل إلى مستوى كاحل الإنسان قد تكون كافية لجرفه أثناء الفيضان، داعيًا إلى إيجاد حلول عملية للمشكلة.
وأضاف أن تغطية مجاري الأنهار تقطع المسار الطبيعي للمياه، فتبحث عن طريق آخر عندما يتجاوز تدفقها قدرة المجرى المغطى. وقال إن إسطنبول قدمت نموذجًا واضحًا لما وصفه بـ«فيضانات المدن»، محذرًا من أن الاكتفاء بالقول إن تغطية مجرى مائي ترفع خطر الفيضان لا يعكس المشكلة كاملة، لأن النهر، بحسب تعبيره، «كائن حي» تستفيد منه الكائنات الحية.
وأوضح الخبير أن معظم مجاري الأنهار الصغيرة في إسطنبول غُطيت بهدف فتح مساحات جديدة للمستوطنات والمباني، مضيفًا أن المياه تحاول الآن الخروج من مجاريها لأنها لم تعد قادرة على استيعاب التدفقات. وشدد على أن المعالجة لا ينبغي أن تقتصر على تدخلات محلية متفرقة، بل تحتاج إلى تعاون جميع المؤسسات والجهات العامة على المستوى الوطني.
حذّر إرسوي كذلك من استخدام مجاري الأنهار مكبًا لمخلفات الحفر، إذ تُعامل أحيانًا باعتبارها المكان الأسهل للتخلص منها. وقال إن تراكم هذه المخلفات لعدة سنوات قد يؤدي إلى انسداد العبارات أو تشكيل ما يشبه السد داخل المجرى، وهو ما قد يتسبب في فيضان مفاجئ.
أمثلة من طرابزون وريزه وأرتفين وغيرسون
وربط إرسوي ما يحدث في إسطنبول بسجل طويل من الفيضانات والانهيارات الأرضية في طرابزون وريزه وأرتفين وغيرسون، وهي ولايات تقع في منطقة شرق البحر الأسود التركية وتكررت فيها الكوارث المرتبطة بالبناء قرب مجاري المياه أو إغلاق مساراتها.
واستشهد الخبير بما حدث في نيبال خلال الأشهر الماضية، واصفًا المشهد بأنه بدا كأنه لقطة من فيلم، لكنه أكد أن منطقة شرق البحر الأسود شهدت حوادث مماثلة في السابق. وذكر على وجه الخصوص كارثة تشاملي كِبِه، كما أشار إلى أن فيضان أوف عام 1929 أدى إلى انزلاقات أرضية شكّلت بحيرة اصطناعية، وتسببت في وفاة مئات الأشخاص وفق ما نقلته صحف ذلك الوقت.
وقال إرسوي إن الحوادث التي وقعت في نيبال لها نظائر سابقة في شرق البحر الأسود، مؤكدًا أن مسؤولية حماية مجاري الأنهار لا تقع على عاتق مؤسسات حكومية محددة وحدها، بل تشمل المواطنين أيضًا، ولا سيما أن إلقاء مخلفات الحفر فيها يزيد احتمالات الانسداد والفيضان.
دعوة إلى تقليص البناء داخل مجاري المياه
من جهتها، قالت الدكتورة المشاركة نازيهان أورسافاش، عضو هيئة التدريس في كلية التربية الفاتح بجامعة طرابزون، إن الأمطار الغزيرة تؤدي إلى فيضانات داخل المدن وفي الأراضي المفتوحة، وإن تدفق المياه بكثافة داخل مجاري الأنهار قد يسبب أضرارًا واسعة.
ودعت أورسافاش البلديات والمؤسسات المعنية إلى اتخاذ تدابير وقائية، وتنظيم مجاري الأنهار بصورة أفضل، وتقليص البناء داخل مناطقها. كما اقترحت تحسين تصريف المياه داخل المدن عبر آليات وأنظمة تحت الأرض، مشيرة إلى أن إعداد أفراد أكثر وعيًا بالمعرفة العلمية يمثل جزءًا مهمًا من الحد من المخاطر.
ضحايا كوارث سابقة في شرق البحر الأسود
وتبرز حصيلة الكوارث السابقة حجم الخطر الذي تحذر منه التصريحات. ففي 18 يونيو/حزيران 2019، أودت كارثة فيضان وانهيار أرضي في حي تشاملي كِبِه التابع لقضاء أراكلي في ولاية طرابزون بحياة 10 أشخاص. وبعد هطول أمطار غزيرة، فاضت الأنهار وتضررت منازل وطرق وجسور، بينما اجتاحت المناطق السكنية كميات من الوحل والصخور التي جرفتها مياه السيول، واستمرت عمليات البحث والإنقاذ أيامًا.
وفي 22 أغسطس/آب 2020، أسفر فيضان ضرب قضاء ديريلي في ولاية غيرسون عن وفاة 11 شخصًا، وألحق أضرارًا بعدد كبير من أماكن العمل والمنازل والطرق والجسور. وفي العام نفسه، تسببت الفيضانات والانهيارات الأرضية في ولايتي ريزه وأرتفين بأضرار جسيمة للمناطق السكنية والبنية التحتية.
المصدر: Türkiye Gazetesi




