ألوان بحيرة وان من الفضاء ترسم «إبرو» طبيعيًا.. والأنهار تحمل سر المشهد

كشفت صور القمر الصناعي «سنتينل-2» سر الألوان المتداخلة التي ظهرت في خليج إيرجيش ببحيرة وان شرقي تركيا، بعدما بدت من الفضاء كأنها لوحة ضخمة من فن الإبرو التركي. وأوضح مصطفى أكوش، الأستاذ المشارك في كلية علوم المصايد بجامعة وان يوزونجو ييل، أن المشهد يتشكل عند التقاء المياه العذبة القادمة من الجداول بمياه البحيرة المالحة والغنية بالصودا، إلى جانب الترسبات المعدنية والرواسب التي تحملها المجاري المائية.
وتُعد بحيرة وان أكبر بحيرة قلوية في العالم وأكبر بحيرة في تركيا، وقد جذبت الأنظار مجددًا بسبب الانتقالات اللونية التي ظهرت في خليج إيرجيش، حيث امتزجت درجات الأزرق والفيروزي بألوان أخرى على سطح المياه، لتشكل أنماطًا تشبه أعمال الإبرو التي تُرسم على الماء.
التقاء مياه مختلفة الخصائص
قال أكوش إن صور «سنتينل-2» أظهرت منطقة التقاء المياه العذبة بمياه البحيرة المالحة والقلوية. ووفقًا لتفسيره، فإن المياه العذبة الغنية بالكالسيوم تلتقي بمياه البحيرة الغنية بالكربونات، ما يؤدي إلى تشكل ترسبات من كربونات الكالسيوم وبيكربونات الكالسيوم.
وتنتشر هذه الترسبات على سطح البحيرة بفعل الرياح والتيارات، فتظهر في صور القمر الصناعي على هيئة خطوط وبقع لونية متداخلة. وقال أكوش إن اتحاد مياه ذات خصائص مختلفة ينتج «مشاهد رائعة تشبه أنماط الإبرو، بخصائص جديدة تمامًا».
ولا تقتصر العوامل المكونة للمشهد على الترسبات المعدنية، إذ تحمل الأنهار والجداول كميات متزايدة من الرواسب إلى البحيرة، خصوصًا مع ارتفاع معدلات الأمطار في الأيام الأخيرة من فصل الخريف. وتشكل هذه الرواسب أحد العناصر المهمة في الألوان التي ظهرت في صور القمر الصناعي.
وأشار أكوش إلى أن الجداول تنقل إلى بحيرة وان آثار ما يحدث في كامل الحوض المائي، بدءًا من قمم جبال سوبهان وإيريك وتندورك وصولًا إلى مياه البحيرة. وقال إن البحيرة تمثل النقطة الأخيرة التي تصل إليها هذه المواد، ولذلك فإن حماية بحيرة وان تبدأ من حماية الأنهار والجداول، لأن ما يُلقى فيها يصل إلى البحيرة كما هو.
بحيرة استثنائية على ارتفاع شاهق
تبلغ مساحة سطح بحيرة وان نحو 3712 كيلومترًا مربعًا، فيما يقع سطحها على ارتفاع 1650 مترًا، ما يجعلها من البحيرات المرتفعة والنادرة على مستوى العالم. كما تتميز مياهها بملوحتها وارتفاع قلويتها؛ إذ يبلغ الرقم الهيدروجيني نحو 9.2، ويقترب في بعض المناطق من 10.
وقال أكوش إن هذه الخصائص تجعل البحيرة مختلفة عن التعريف المعتاد للبحيرات، وتمنحها نظامًا بيئيًا فريدًا ونادرًا. وأضاف أن الزائر قد يرى من الشاطئ كتلة مائية هادئة، لكن داخلها تتشكل أنماط مذهلة تشبه الإبرو.
من سمك الإنجي كفال والميكروبياليت إلى صور الفضاء
تشتهر بحيرة وان بسمك «الإنجي كفال» المعروف برحلات هجرته، وبالميكروبياليتات التي تتشكل في مياهها، إضافة إلى حطام سفن روسية غارقة في أعماقها. وهذه المرة تصدرت البحيرة المشهد بسبب ألوانها الفريدة المنعكسة في صور الأقمار الصناعية، بعدما عُرفت سابقًا بصورة التقطتها رائدة الفضاء كيت روبنز عام 2016.
وكانت الصورة التي التقطتها روبنز من محطة الفضاء الدولية قد وصلت إلى نهائيات مسابقة صور دولية نظمتها وكالة ناسا تحت اسم «بطولة العالم» عبر الإنترنت، من بين 32 صورة. وحظيت صورة بحيرة وان باهتمام واسع في تركيا وخارجها، ثم فازت بالمركز الأول بفارق كبير في التصويت، ما ساعد على التعريف بالبحيرة ومدينة وان على المستوى الدولي.
يرى أكوش أن بحيرة وان لا تقدم جمالًا استثنائيًا لمن يراقبها من شاطئها فقط، بل تكشف أيضًا عن مشاهد مختلفة عند رصدها من الأقمار الصناعية. وتجمع البحيرة بين تنوعها الطبيعي، من أسماك الإنجي كفال والميكروبياليتات إلى آثار السفن الغارقة، والظواهر اللونية التي تظهر مع حركة المياه والرواسب.
وأكد الأكاديمي أن هذه العمليات لا تمثل مجرد ظاهرة بصرية، بل ترتبط باستمرار التنوع الحيوي في البحيرة. فالمياه العذبة والرواسب والمواد المعدنية التي تصل عبر الأنهار تشكل عناصر مهمة في النظام البيئي، بينما تكشف الصور الفضائية في الوقت نفسه عن حجم التأثير الذي تحمله مياه الأنهار من مختلف أنحاء الحوض إلى بحيرة وان.
وتظهر الأنماط التي رصدها القمر الصناعي «سنتينل-2A»، وفق هذا التفسير، نتيجة التقاء مستمر بين المياه العذبة ومياه البحيرة المالحة والقلوية، إلى جانب حركة الرياح والتيارات والرواسب. ومع امتزاج الألوان الزرقاء والفيروزية وترسب المواد التي تحملها الجداول، تبدو البحيرة من السماء كلوحة طبيعية تشبه فن الإبرو.
المصدر: Türkiye Gazetesi




