كاتب يفوز بجائزة ثم يُتهم بأن روبوتًا كتب قصته.. لماذا لا تحسم أدوات الكشف الجدل؟

تحولت قصة «المقاتل الأزرق» (The Blue Fighter) إلى اختبار واسع لمدى موثوقية أدوات كشف الكتابة بالذكاء الاصطناعي، بعدما فاز الكاتب الزيمبابوي سيمباراشي كونديزيزا في 6 أكتوبر/تشرين الأول بجائزة كين للأدب الأفريقي، ثم أشارت أداة «بانغرام» إلى أن معظم قصته كُتب بالذكاء الاصطناعي. ونفى كونديزيزا ذلك قائلًا إنه كتب العمل بالكامل بنفسه ولم يستخدم الذكاء الاصطناعي التوليدي أثناء الكتابة.
وبعد أقل من أسبوع على إعلان الجائزة، نشرت مجلة «ذا أتلانتيك» مادة شبّهت راوي القصة بروبوت محادثة، وقالت إن «بانغرام» صنّفت القصة بأكملها تقريبًا على أنها نتاج للذكاء الاصطناعي. وأكد كونديزيزا في منشور عبر منصة «إكس»: «أقول ذلك من دون ترك أي مجال للشك: أنا كتبت The Blue Fighter. لم أستخدم الذكاء الاصطناعي التوليدي أثناء كتابتها. إنها عملي بالكامل».
فإن الجدل حول الجائزة البالغة 10 آلاف جنيه إسترليني يعكس سؤالًا يتكرر في عالم النشر: كيف يمكن إثبات أن نصًا ما كتبه إنسان أو أنشأه الذكاء الاصطناعي، وإلى أي حد يمكن الوثوق بالبرامج التي تدّعي الإجابة عن هذا السؤال؟
اتهامات تهدد العقود والجوائز
لم تعد الشكوك المرتبطة باستخدام الذكاء الاصطناعي نقاشًا نظريًا، إذ أدت خلال العام الجاري إلى قرارات أثرت في كتب ومسارات مهنية. ففي مارس/آذار، ألغت دار «هاتشيت» إصدارًا أمريكيًا من رواية «الفتاة الخجولة» (Shy Girl) للكاتبة ميا بالارد، التي نشرت الرواية بجهودها الخاصة عام 2025. وجاء القرار بعد تقرير لصحيفة «نيويورك تايمز» تحدث عن احتمال استخدام الذكاء الاصطناعي في كتابة الكتاب.
وفي مايو/أيار، واجه الكاتب الترينيدادي جامير نذير اتهامات مشابهة بشأن قصة «الأفعى في البستان» (The Serpent in the Grove)، التي فازت بجائزة الكومنولث للقصة القصيرة. وفي يوليو/تموز، أشارت بيانات قدمها باحثون من جامعة ستوني بروك إلى مجلة «ذا أتلانتيك» إلى أن 60 في المئة من رواية «فم الخنجر» (Daggermouth) للكاتب إتش. إم. وولف ربما كُتب بواسطة الذكاء الاصطناعي.
وفي الشهر نفسه، خسر جيري فالاد صفقة نشر بقيمة مليوني دولار بعدما سحب ممثلوه روايته الأولى بسبب شكوك في استخدام الذكاء الاصطناعي. أما في سبتمبر/أيلول، فقد أُزيل الكاتب الكندي من أصول هاييتية ثيليسون أوريليان من القائمة الطويلة لجائزة غونكور، بعد ادعاء بأن كتابه أخفق في اجتياز اختبار لكشف النصوص المنتجة بالذكاء الاصطناعي.
القاسم المشترك بين هذه الحالات هو أن قرارات مؤثرة في مستقبل الكتّاب أصبحت تُتخذ استنادًا إلى شكوك بشأن طريقة إنتاج النص. غير أن نتيجة أداة كشف واحدة لا تكشف، بمفردها، كيف كتب المؤلف عمله أو ما إذا كان قد استخدم الذكاء الاصطناعي فعلًا.
هل تكفي علامات الأسلوب لإدانة نص؟
لا يعتمد المشككون دائمًا على نتائج البرامج فقط. فقد بدأ بعض القراء يعتبرون أساليب لغوية بعينها دليلًا على تدخل الذكاء الاصطناعي، مثل استخدام الشرطة الطويلة، أو الجمل المبنية على صيغة «ليس كذا، بل كذا»، أو التشبيهات المزخرفة، أو القوائم التي تضم ثلاثة عناصر.
لكن هذه الأساليب كانت شائعة لدى الكتّاب قبل انتشار أدوات الذكاء الاصطناعي بوقت طويل، كما أن النماذج اللغوية تعلمتها من نصوص كتبها بشر واستخدمت في تدريبها. ويقول الكاتب باتريك ناثان إن التمييز بين نص بشري ضعيف ونص رديء أنشأه الذكاء الاصطناعي أمر بالغ الصعوبة، موضحًا أن النماذج «تدربت على كتابات سيئة، ولذلك يكاد يستحيل التمييز بين النصوص الرديئة التي ينتجها الذكاء الاصطناعي والنصوص الرديئة التي يكتبها البشر».
وفي الجدل المتعلق بقصة نذير، حاول منتقدون دعم شكوكهم الأسلوبية بنتائج «بانغرام». وكتب إيثان موليك، الأستاذ في كلية وارتون بجامعة بنسلفانيا، على منصة «بلوسكاي» أن الأداة صنفت النص بنسبة 100 في المئة، وأضاف عبارة ذات طابع إيحائي مفادها أن «من يفهم، يفهم».
أداة تدّعي دقة شبه كاملة ونتائج بحثية متباينة
تأسست «بانغرام» عام 2023، وتقول الشركة إنها قادرة على التمييز بين النصوص التي يكتبها البشر وتلك التي ينتجها الذكاء الاصطناعي بدقة تكاد تكون كاملة. ويقود الشركة مؤسسها ومديرها التنفيذي ماكس سبيرو، وهو مهندس تعلم آلي سبق له العمل في «غوغل» وشركة «نيورو» المتخصصة في المركبات ذاتية القيادة.
ولا يملك سبيرو خلفية في الأدب أو الكتابة الإبداعية، وهو يصرح بذلك بوضوح: «أنا قارئ شغوف، لكنني لم أكن كاتبًا قط، ولم أعش داخل ذلك العالم». ويقول إن هدف الأداة هو تخفيف العبء عن المجلات الأدبية التي تدفع مقابل النصوص المرسلة إليها، لكنها لا تتقاضى رسومًا من المتقدمين، مضيفًا أن الشركة تحاول «تقليل بعض الأضرار التي تسببت بها نماذج الذكاء الاصطناعي القوية».
وفق حسابات «بانغرام» الخاصة، تبلغ نسبة تصنيف نص بشري بالخطأ على أنه من إنتاج الذكاء الاصطناعي حالة واحدة من كل 10 آلاف نص. ونقل تقرير تي. إم. براون من شبكة «سي إن إن» أن دراسات محكّمة من جامعتي شيكاغو وبروكسل دعمت هذا الادعاء، بينما وجدت دراسة أجرتها جامعة ماريلاند عام 2025 أن نسبة التصنيف الخاطئ بلغت 2 في المئة.
حتى معدلات الخطأ المنخفضة قد تؤدي إلى اتهامات ظالمة عندما تُفحص أعداد كبيرة من النصوص يوميًا. وتزداد حساسية المسألة عند النظر إلى هوية الكتّاب الذين تُحمّل أعمالهم إلى هذه الأدوات لفحصها.
الكتّاب غير البيض وغير الناطقين بالإنجليزية في قلب الجدل
يشير تقرير «ذا أتلانتيك» إلى أن نسبة كبيرة من الحالات البارزة تتعلق بكتّاب من غير البيض. فنذير من أصول جنوب آسيوية، بينما بالارد ووولف وفالاد وكونديزيزا وأوريليان كتّاب سود.
ويربط دويل دي. كالهون، الباحث في دراسات ما بعد الاستعمار بجامعة كامبريدج، جانبًا من هذه الظاهرة بأجواء معادية للسود ولخطاب «الاستيقاظ» في قطاعات من الخطاب المحافظ واليميني على الإنترنت. ويقول إن حصول عدد أكبر من الكتّاب غير البيض على عقود نشر وفوزهم بالجوائز يثير ردود فعل، خصوصًا على وسائل التواصل الاجتماعي، مضيفًا أن الاتهامات، وكثير منها غير موثق أو بلا أساس، تدفع الإعلام الإلكتروني إلى العمل «بسرعة مفرطة» فور ظهورها.
كما تثير نصوص الكتّاب الذين ليست الإنجليزية لغتهم الأم نقاشًا مستقلًا. فقد خلصت دراسة لجامعة ستانفورد عام 2023 إلى أن أدوات كشف الذكاء الاصطناعي المتاحة آنذاك كانت تنتج نتائج خاطئة بمعدل أعلى عند فحص هذه النصوص. ولا تقيس الدراسة «بانغرام» مباشرة لأنها سبقت تأسيس الأداة، لكن الشركة تقول إن بحثًا داخليًا أجرته سجل معدل تصنيف خاطئ يقارب 8 حالات من كل 10 آلاف نص لدى الكتّاب غير الناطقين بالإنجليزية كلغة أم.
كيف يثبت الكاتب أنه كتب عمله؟
في قضايا الانتحال، يمكن مقارنة النص المتهم بنص آخر وتحديد أوجه التشابه. أما في اتهامات استخدام الذكاء الاصطناعي، فلا توجد دائمًا مادة مرجعية مماثلة، ولذلك يُطلب من بعض الكتّاب تقديم مسوداتهم وملاحظاتهم وسجل التعديلات والوثائق التي تثبت مراحل العمل. لكن لا يوجد معيار موحد يحدد مقدار الأدلة الكافي لتبرئة الكاتب.
قالت إدارة جائزة كين إنها ستفحص قصة كونديزيزا وفق «نهج يضع الإنسان في المركز». وأوضحت إيلاه واكاتاما، رئيسة مجلس أمناء الجائزة، لهيئة الإذاعة البريطانية «بي بي سي» أن الكاتب سيرسل سجل مسوداته إلى المؤسسة لمراجعته.
وفي قضية أخرى مرتبطة بالصحفي برايان أرمن غراهام، محرر الرياضة في صحيفة «الغارديان»، لم تُنهِ الصحيفة الاتهامات عندما وصفتها بأنها «عبثية». فقد واصل بعض مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي والصحفيين الثقة بنتيجة «بانغرام» أكثر من ثقتهم ببيان الصحيفة.
وتكشف قضية قصة نذير بصورة أوضح تضارب النتائج. فمؤسسة الكومنولث قررت، خلال مراجعتها للقصة ولأعمال مرشحين آخرين، عدم استخدام «بانغرام» أو أي برنامج آخر لكشف النصوص المنتجة بالذكاء الاصطناعي.
وقال المدير العام للمؤسسة، رزمي فاروق، إنهم لم يرغبوا في الاعتماد على مؤشر واحد، معتبرًا أن النهج الأكثر عدلًا هو تقييم مصادر متعددة للأدلة. وشملت المراجعة القراءة الأولى وتحكيم لجنة الجائزة، إلى جانب المسودات والملاحظات والوثائق الأخرى، كما أجرت المؤسسة مقابلات مفصلة مع الكتّاب حول الطريقة التي نشأت بها قصصهم. وخلصت إلى أن أيًا من الكتّاب، ومن بينهم نذير، لم يملي قصته على الذكاء الاصطناعي.
لكن مجلة «غرانتا»، التي نشرت القصة في إطار اتفاقها مع المؤسسة، لم تتبنَّ النتيجة وأنهت تعاونها مع المسابقات المقبلة. وقالت ناشرة المجلة سيغريد راوسينغ إنهم قدموا القصة إلى برنامج «كلود» لتقييمها، وإن البرنامج خلص إلى أن النص «شبه مؤكد أنه لم يُنتج بواسطة إنسان من دون مساعدة». غير أن «كلود» ليس أداة مصممة لكشف النصوص التي أنشأها الذكاء الاصطناعي.
وأقرت راوسينغ في بيانها باستمرار الغموض، قائلة إن لجنة التحكيم «ربما منحت الجائزة لحالة انتحال نُفذت بالذكاء الاصطناعي، لكننا لا نعرف بعد، وربما لن نعرف أبدًا».
ويرى جون وارنر، مؤلف كتاب «أكثر من الكلمات: كيف نفكر في الكتابة في عصر الذكاء الاصطناعي» (More Than Words: How to Think About Writing in the Age of AI)، أن الاعتماد على الأدوات الآلية لفرز النصوص قد يخلق خطرًا جديدًا، إذ يمكن لهذه التقنية، مثل سائر تقنيات الأتمتة، أن «تضعف قدرة البشر على التمييز بأنفسهم».
وبين حاجة الناشرين إلى الحد من النصوص التي ينتجها الذكاء الاصطناعي، وضرورة حماية الكتّاب من الاتهامات غير العادلة، يستمر الخلاف. أما حصول النص نفسه على قبول مؤسسة باعتباره عملًا بشريًا، واعتباره مشبوهًا من مؤسسة أخرى، فيشير إلى أن نتائج أدوات الكشف لم تُنهِ النزاع الأدبي، بل أصبحت جزءًا جديدًا منه.
المصدر: gazeteoksijen




