تركيا تجمع «R4» و«E3» للمرة الأولى في إسطنبول.. وفيدان: خروقات غزة باتت روتينية

انطلقت في إسطنبول أعمال الدورة التاسعة من مؤتمر إسطنبول للوساطة، الذي يستضيفه وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، بمشاركة مرتقبة رفيعة المستوى من 8 دول. ويجمع المؤتمر للمرة الأولى مجموعة «R4» التي تضم تركيا ومصر وباكستان والسعودية، ومجموعة «E3» المؤلفة من بريطانيا وألمانيا وفرنسا، لبحث سبل التعامل مع الأزمات الدولية. وحذر فيدان خلال افتتاح المؤتمر من أن خروقات وقف إطلاق النار في غزة أصبحت أمراً روتينياً، داعياً إلى حماية المدنيين والأطفال وضمان وصول المساعدات الإنسانية.
فيدان: العالم يواجه انعدام ثقة متزايداً
بدأت الجلسة الافتتاحية بعرض رسالتين عبر الفيديو من الرئيس التركي رجب طيب أردوغان والأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، قبل أن يلقي فيدان كلمة الافتتاح تحت عنوان «شراكات وآفاق جديدة من أجل السلام: الوساطة في عالم متغير».
ويشارك في المؤتمر، إلى جانب وزراء ومسؤولين رفيعي المستوى، أمناء عامون وممثلون كبار عن منظمات دولية، من بينها منظمة الأمن والتعاون في أوروبا، ومنظمة التعاون الإسلامي، ومجلس التعاون الخليجي. كما يجمع اللقاء نحو 200 مسؤول وخبير ودبلوماسي وأكاديمي وممثل لمراكز أبحاث من مناطق مختلفة، يعملون في مجالات الوساطة وحل النزاعات.
وقال فيدان إن العالم يمر باختبار متزايد بسبب انعدام الثقة على المستوى الدولي، موضحاً أن مناطق كان السلام فيها مقبولاً على مدى سنوات باتت تواجه صراعات مسلحة. وأضاف أن نزاعات متعددة استمرت خلال السنوات الأخيرة في مناطق مختلفة من العالم، وأثرت في طرق التجارة والممرات البحرية الحيوية، بينما أصبحت خروقات وقف إطلاق النار أمراً روتينياً.
وأشار الوزير التركي إلى تصاعد الكلفة الإنسانية لهذه الصراعات، قائلاً إن تقديرات الأمم المتحدة تفيد بأن نحو ربع سكان العالم يعيشون في مناطق تشهد نزاعات. وذكر أن مدنياً واحداً يفقد حياته كل 12 دقيقة نتيجة هذه الصراعات، وأن أكثر من 100 مليون شخص أُجبروا على النزوح، بينهم نحو 40 في المئة من الأطفال.
غزة والضفة الغربية في صدارة التحذيرات
وأكد فيدان أن النتائج الأكثر وضوحاً للمأساة الإنسانية تظهر في فلسطين، مشيراً إلى استمرار احتلال غزة والضفة الغربية، وما قال إنه يقابل بالإفلات من العقاب.
وقال إن القوات الإسرائيلية تنتهك وقف إطلاق النار يومياً، الأمر الذي يقوض الثقة بالنظام الدولي ويعمق حالة انعدام اليقين. وشدد على أن إيصال المساعدات الإنسانية وحماية الأطفال، خصوصاً، يجب أن يكونا أولوية، مؤكداً أن إنهاء النزاع يتطلب حلاً سياسياً عادلاً.
حذر فيدان من أن سرعة النزاعات واتساع نطاقها يختبران قدرة النظام الدولي على الاستجابة، وأن التحولات الحالية تعيد تشكيل النظام العالمي، فيما لا يزال من غير الواضح ما ستؤول إليه. وقال إن الخيارات التي تُتخذ اليوم ستحدد المسار الذي سيسلكه هذا النظام.
ثلاثة مبادئ للوساطة: الحوار والثبات والملكية الإقليمية
طرح فيدان ثلاثة مبادئ قال إنها ضرورية لتوجيه التغيير نحو السلام والازدهار: الحوار الصادق، والوساطة المستدامة، والملكية الإقليمية للنزاعات وحلولها.
وأوضح أن أزمات اليوم تكشف مشكلة أعمق تتمثل في تراجع شرعية النظام الدولي. وأضاف أن المؤسسات تفقد مصداقيتها، كما يفقد الأطراف ثقتهم، عندما لا تُطبَّق القواعد بصورة صحيحة، في إشارة إلى مواقف سبق أن عبّر عنها أردوغان وغوتيريش بشأن موثوقية النظام الدولي.
وشدد الوزير التركي على أن إعادة بناء الثقة شرط أساسي لنجاح الوساطة، موضحاً أن جهود بلاده في هذا المجال تعتمد على موافقة الأطراف، والثقة المتبادلة، والشمولية. وقال إن الوسيط يحتاج إلى فهم الطريقة التي يمكن أن يؤثر بها تدخله في نتيجة النزاع حتى يؤدي دوراً مؤثراً.
واستشهد فيدان بالجهود التركية في ليبيا بوصفها مثالاً على قدرة الرضا المتبادل والثقة والشمولية على بناء الثقة. وقال إن العملية التي يتبناها الليبيون وتعتمد على حوار صادق تمثل الطريق الوحيد نحو حل دائم، معرباً عن أمله في أن تؤدي هذه المقاربة قريباً إلى تجاوز مرحلة التهدئة والوصول إلى تسوية مستدامة. وحذر في الوقت نفسه من أن استمرار المواقف المتصلبة قد يحول الخلافات إلى عنف.
وأشار إلى أن لكل نزاع تاريخه وأطرافه وديناميكياته الخاصة، وأن فهم هذه العوامل بعمق يتطلب الصبر والمرونة. وقال إن أي خلاف لا يمكن حله من دون التحدث إلى الأطراف المعنية، مؤكداً ضرورة إبقاء قنوات الاتصال مفتوحة واستمرار الحوار حتى عندما يكون التقدم بطيئاً وهشاً.
وذكر فيدان أن هذا النهج انعكس في عدد من التحركات التركية، من بينها الاتصالات بين روسيا وأوكرانيا، واتفاق الحبوب في البحر الأسود، ومسار أنقرة بين الصومال وإثيوبيا. وقال إن هذه التجارب تظهر أهمية الوساطة المستدامة في إبقاء التفاوض حياً، حتى عندما يكون الحل الشامل بعيداً، لأن المكاسب العملية المحدودة يمكن أن تشكل أساساً لاتفاق أوسع.
حلول تقودها المنطقة لا تُفرض من الخارج
أكد فيدان أن الاستقرار ليس مفهوماً يمكن استيراده، وأن الحلول الدائمة لا يمكن فرضها من الخارج. وقال إن الأطراف المنخرطة في النزاع ينبغي أن تؤدي دوراً في حله، مستشهداً بما سماه تحالف الدفاع عن مكة ومنصة السلام في البلقان.
وأوضح أن تحالف مكة أُنشئ لحماية الأمن والسلام والازدهار في المنطقة، وأن تأسيسه قام على شعور بالملكية الإقليمية. كما أشار إلى أن منصة السلام في البلقان يمكن أن تنتج حلولاً عملية بين دول المنطقة، معتبراً أن الملكية الإقليمية تمثل حجر الأساس في التعامل مع النزاعات.
وأضاف أن تحقيق وساطة فعالة يتطلب العمل مع دول المنطقة، إلى جانب إقامة شراكات وتبني رؤى جديدة، والاستفادة من خبرة المنظمات الدولية وإشراك المجتمع المدني. ولفت إلى أن الوساطة تصبح أكثر فاعلية عندما تجمع وجهات نظر وأطرافاً مختلفة، بما يتيح تطوير حلول مشتركة.
ودعا وزير الخارجية التركي إلى وضع الوساطة في قلب الاستراتيجية السياسية، قائلاً إن تركيا تعمل على تحويلها من مجرد أداة دبلوماسية إلى مجال استراتيجي متكامل، وإنها أنشأت البنية المؤسسية اللازمة لذلك.
وختم فيدان بالتأكيد أن بلاده تسعى إلى تهيئة الظروف التي تسمح للأطراف بالتوصل إلى حلول فيما بينها، موضحاً أن المقاربة التركية القائمة على الحوار الصادق، والانخراط المستدام، والملكية الإقليمية، تُظهر كيف يمكن لهذه المبادئ أن تسهم في الأمن الإقليمي والعالمي.
المصدر: Türkiye Gazetesi




