أُطلق ملايين البعوض المعدّل وراثيًا في فلوريدا.. ثم اختفت الصفة خلال أجيال

أُطلقت ملايين البعوض المعدّل وراثيًا في منطقة فلوريدا كيز بولاية فلوريدا الأميركية بين عامي 2021 و2023، ضمن مشروع لشركة متخصصة في التكنولوجيا الحيوية يستهدف خفض أعداد البعوض الناقل للأمراض عبر تعطيل قدرته على التكاثر. لكن المشروع أبقى أسئلة الرقابة والآثار البيئية طويلة الأمد مفتوحة.
وأُطلقت عبر منصة «Change.org» حملة لجمع التوقيعات ضد المشروع، وقّع عليها أكثر من 100 ألف شخص طالبوا بوقف عمليات الإطلاق. وتمحورت المخاوف الرئيسية حول احتمال فقدان السيطرة على الكائنات المعدّلة بعد إدخالها إلى البيئة الطبيعية.
بعوض ينقل أمراضًا خطيرة
استهدف المشروع نوع Aedes aegypti، المعروف ببعوضة الحمى الصفراء، وهو نوع يؤدي دورًا في نقل حمى الضنك وفيروس زيكا والحمى الصفراء. ويتكيف هذا البعوض بسهولة مع المناطق السكنية، إذ يستطيع التكاثر في أماكن صغيرة مثل أطباق أواني الزهور وبرك المياه المحدودة.
وتزداد مكافحته صعوبة بسبب تطور مقاومته للمبيدات الحشرية، لذلك اتجهت الشركة إلى استهداف عملية التكاثر وراثيًا بدلًا من قتل البعوض مباشرة بالمبيدات.
كيف تعمل السلالة المعدّلة؟
تحمل السلالة المستخدمة في فلوريدا اسم OX5034، وصُممت لمنع إناث البعوض من الوصول إلى مرحلة البلوغ. وأطلقت الشركة ذكورًا معدّلة وراثيًا في الطبيعة، على أن تتزاوج مع الإناث البرية وتنقل ذريتها الصفة الوراثية المصممة.
وبحسب التصميم، لا تنجو غالبية الإناث الناتجة من هذا التزاوج، في حين يستمر الذكور في الحياة وينقلون الجين إلى الأجيال اللاحقة. ويستهدف ذلك تقليص أعداد الإناث تحديدًا، لأنها تلدغ البشر وتؤدي دورًا في نشر الأمراض.
كما صُممت الآلية بحيث لا يبقى التعديل الوراثي بشكل دائم في البيئة. وتقول الشركة إن تأثيره يفترض أن يختفي خلال بضعة أجيال، بدلًا من أن يترسخ بصورة مستمرة في التجمعات البرية.
دور المضاد الحيوي في المختبر
تعتمد السيطرة على الآلية الوراثية على مضاد حيوي يُعرف باسم التتراسيكلين. ففي المختبر، يسمح وجود هذه المادة بتثبيط الآلية التي تؤثر في نمو البعوض، ما يتيح تربية الحشرات المعدّلة وإنتاجها.
أما بعد إطلاقها في الطبيعة، فلا يُفترض توافر الظروف نفسها، ولذلك يُراد للآلية أن تعمل وتمنع بقاء الإناث. وتهدف هذه العملية في الوقت نفسه إلى الحد من انتشار التعديل الوراثي بصورة دائمة في البيئة.
وأفادت الشركة المنفذة بأن المشروع التجريبي في فلوريدا عمل وفق التصميم المقرر، مشيرة إلى ظهور النتائج المستهدفة لدى نسل الإناث البرية التي تزاوجت مع الذكور المعدّلة. كما أعلنت أن الصفة الوراثية اختفت خلال بضعة أجيال في المناطق التي شهدت عمليات الإطلاق.
أظهرت تطبيقات الشركة في البرازيل انخفاضًا في أعداد البعوض المستهدف وصل في بعض المناطق إلى 90 في المئة. غير أن تراجع أعداد البعوض لا يعني بالضرورة انخفاض حالات الإصابة بالأمراض بالنسبة نفسها، كما أن المشروع التجريبي في فلوريدا لم يكن واسعًا بالقدر الذي يسمح بإثبات أن الطريقة منعت تفشيًا كبيرًا.
أسئلة بيئية واجتماعية لم تُحسم
رغم أن الهدف المعلن هو تقليص أعداد البعوض الناقل للأمراض، لا تزال مجموعة من أسئلة السلامة مطروحة. ومن أبرزها كيفية تفاعل المادة الوراثية مع التجمعات البرية، والتأثيرات المحتملة لوجود التتراسيكلين في البيئة على الآلية، إضافة إلى النتائج بعيدة المدى للتدخل الجيني.
ولا يبقى البعوض داخل حديقة أو قطعة أرض محددة، ما يعني أن آثار الإطلاق قد تصل إلى مناطق يسكنها أشخاص لم يوافقوا على المشروع. وأعاد ذلك طرح مسائل اتخاذ القرار في مشاريع التعديل الوراثي، ومدى ضرورة الحصول على موافقة المجتمع قبل تنفيذها.
وتُعد البعوضة كذلك مصدرًا غذائيًا لكائنات أخرى في النظام البيئي، وهو ما يجعل دراسة التأثيرات طويلة الأجل لتقليص أعداد نوع كامل عنصرًا أساسيًا قبل تقييم التجربة نهائيًا.
وتقدم تجربة فلوريدا وسيلة جديدة لمواجهة البعوض الناقل للأمراض، إلا أن الحكم على نجاحها لا يعتمد على أعداد البعوض وحدها. فالتقييم يحتاج إلى متابعة مستقلة لحالات الإصابة بالأمراض، إلى جانب رصد الآثار البيئية الناتجة عن إطلاق الكائنات المعدّلة.
المصدر: Sözcü




