تركيا ترد على تحرك سفينة فرنسية في شرق المتوسط.. وسابقة 1977 تحرج باريس

أبطلت تركيا إشعارات الملاحة التي أصدرتها اليونان وقبرص الرومية تمهيدًا لتحرك سفينة الأبحاث الفرنسية Abeille Marengo في مسار مشروع الكابل الكهربائي بين جزيرة كريت وقبرص، مؤكدة أن جزءًا من منطقة البحث يقع ضمن جرفها القاري المبلّغ عنه لدى الأمم المتحدة. وجاء الرد التركي عبر إخطار ملاحي مضاد بعد دقائق من نشر الإخطار اليوناني، في وقت تستعد فيه السفينة لمغادرة ميناء هيراكليون في كريت واستئناف أعمالها.
وتقول أنقرة إن السفينة التي ترفع العلم الفرنسي تخطط لإجراء أبحاث بحرية بهدف مد كابل من دون الحصول على موافقة تركيا، بينما تؤكد أثينا وإدارة قبرص الرومية أن العمليات ستجري في المناطق التي تعتبرانها ضمن مياههما الإقليمية وجرفهما القاري. ويزيد الخلاف من حساسية مشروع الربط الكهربائي المعروف باسم GSI، الذي يربط كريت بقبرص، وتدعمه المفوضية الأوروبية.
إخطار تركي مضاد خلال دقائق
نشرت محطة الإخطارات الملاحية في أنطاليا الرسالة رقم 1105/26، موضحة أن جزءًا من المنطقة التي أعلنت اليونان تخصيصها للأبحاث يقع داخل حدود الجرف القاري الذي أبلغت تركيا الأمم المتحدة به في 18 مارس 2020.
وأشارت الرسالة إلى عدم وجود موافقة من السلطات التركية على الأبحاث البحرية المخطط لها، وشددت على ضرورة تنسيق جميع أعمال البحث داخل مناطق الصلاحية البحرية التركية مع الجهات التركية المختصة. وذكرت صحيفة «تو فيما» اليونانية أن الرد التركي صدر بعد دقائق فقط من نشر إخطار اليونان، فيما أفادت صحيفة «كاثيميريني» بأن أنقرة اعترضت كذلك على صلاحية اليونان في إصدار الإخطار الخاص بالمنطقة.
وأكدت وزارة الخارجية التركية، في بيان مكتوب، أن سفينة فرنسية تعتزم إجراء أبحاث بحرية غير مرخصة داخل الجرف القاري الذي أبلغت تركيا حدوده الخارجية إلى الأمم المتحدة، بهدف تمهيد مد الكابل. وأضافت أن إشعارات التحذير الملاحية التي أصدرتها اليونان وإدارة قبرص الرومية لهذا الغرض أُلغيت من الجانب التركي.
وقالت الوزارة إن إجراءات الحصول على الموافقة التركية المطلوبة، وفقًا للقواعد المستقرة في القانون الدولي للبحار، لم تُستكمل بعد بالنسبة إلى الجزء من النشاط الواقع داخل حدود الجرف القاري التركي. وأضافت أن أنقرة ستواصل حماية حقوقها السيادية المستندة إلى القانون الدولي، مع استمرار تبنيها نهجًا يقوم على التعاون والحوار والتنسيق في المنطقة.
مسار السفينة ومشروع الكابل
وبحسب تقرير نشرته «تو فيما» في 7 نوفمبر، كان من المخطط أن تغادر Abeille Marengo ميناء هيراكليون عند الساعة 09:00، بعد وجودها في الميناء منذ 27 أكتوبر. وقبل بدء عمليات فحص قاع البحر، كان من المقرر أن تنفذ السفينة اختبارات نهائية لأجهزة السونار وقياس الأعماق.
وتشمل الخطة مسارًا يمتد من جنوب شرق كريت باتجاه قبرص، فيما نقلت الصحيفة أن نحو 60% من الأبحاث التي توقفت عام 2024 قبالة جزيرة كاسوس قد أُنجزت. إلا أن ذلك لا يلغي اعتراض تركيا على الجزء من المسار الذي تعتبره واقعًا داخل جرفها القاري.
ولا يقتصر الدور الفرنسي في مشروع الربط الكهربائي بشرق المتوسط على سفينة الأبحاث. فوفقًا لما أوردته الصحافة اليونانية، انتقلت في أغسطس حصة تبلغ 66% من المشروع إلى شركة «ميريديام» الفرنسية، بينما يحتفظ مشغل شبكة نقل الكهرباء اليوناني ADMIE بحصة 34% بوصفه شريكًا أقلية. وتتولى شركة «نكسون» الفرنسية أبحاث قاع البحر، كما ترفع السفينة المستخدمة في الأعمال العلم الفرنسي.
يعود تاريخ مشروع «يوروأيشيا إنتركونكتور» الذي أُعيد تقديمه باسم GSI إلى الخطوات الأولى التي بدأت بين عامي 2013 و2018. وفي عام 2022 قررت المفوضية الأوروبية تخصيص تمويل للمشروع بقيمة 657 مليون يورو، ثم انتقلت السيطرة عليه إلى مشغل شبكة الكهرباء اليوناني في 2023.
واعترضت تركيا على أنشطة البحث الخاصة بالمشروع في مراحل مختلفة بين يوليو 2024 ومارس 2025، ما أدى إلى تجميده بصورة غير رسمية. وفي أغسطس 2026 انتقلت حصته الأكبر إلى مجموعة «ميريديام» الفرنسية، قبل أن تُنشر في نوفمبر 2026 إخطارات ملاحية بهدف إعادة إطلاق المشروع.
الخلاف القانوني وسابقة الجزر البريطانية
لا تُعد تركيا طرفًا في اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982، لكنها تستند في تحديد حقوقها المتعلقة بالجرف القاري إلى قواعد القانون العرفي الدولي ومبدأ ترسيم الحدود على أساس الإنصاف.
وتنص المادتان 58 و79 من الاتفاقية على حرية جميع الدول في مد الكابلات البحرية في الجرف القاري، غير أن هذه الحرية ليست امتيازًا مطلقًا؛ إذ يتعين على الدولة التي تخطط لمد الكابل تنسيق مساره وضمان عدم انتهاكه حقوق الدولة الساحلية.
كما تنص المادة 246 على ضرورة الحصول على موافقة صريحة وترخيص من الدولة الساحلية لإجراء أي أبحاث علمية بحرية داخل المنطقة الاقتصادية الخالصة أو الجرف القاري. وتشمل هذه الأبحاث عمليات دراسة البنية الجيولوجية لقاع البحر وقياس الأعماق والخصائص الزلزالية، وهي أعمال ترتبط عادة بتحديد مسارات الكابلات. وبناءً على ذلك، تقول أنقرة إن من حقها طلب إذن مكتوب ومنع جمع البيانات من دون موافقة داخل جرفها القاري.
ويستند الطرح التركي كذلك إلى مبدأ يرد كثيرًا في القانون الدولي للبحار، ومفاده أن «الأرض تهيمن على البحر»، أي أن الحقوق البحرية تنبع أساسًا من السواحل القارية، مع تطبيق مبدأ الإنصاف لتجنب النتائج الجغرافية غير العادلة. كما استندت أحكام لمحكمة العدل الدولية، من بينها قضايا الجرف القاري لبحر الشمال عام 1969 وقضية تونس وليبيا عام 1982، إلى أن حقوق الجرف القاري تنشأ من الامتداد الطبيعي لليابسة.
وبموجب قواعد القانون البحري العرفي والمادتين 83 و121 من اتفاقية قانون البحار، فإن امتلاك جزيرة لحقوق بحرية لا يعني حصولها تلقائيًا على التأثير الكامل عند ترسيم الحدود. فقد تحصل الجزر الواقعة في الجانب غير الملائم من خط الوسط على تأثير محدود أو معدوم، بحسب ظروف الترسيم. وترى أنقرة أن اعتماد اليونان على الجزر لقلب الامتداد الطبيعي الواسع للساحل التركي في شرق المتوسط أمر لا ينسجم مع هذه القواعد.
وتستحضر تركيا في هذا النقاش تحكيم الجرف القاري البريطاني-الفرنسي لعام 1977. ففي تلك القضية لم تحصل جزر القنال البريطانية، الواقعة قرب الساحل الفرنسي ويبلغ عدد سكانها نحو 130 ألف نسمة، على تأثير كامل في الجرف القاري أو المنطقة الاقتصادية الخالصة، بل حُدد نطاقها عند 12 ميلًا بحريًا من المياه الإقليمية، وأُبقيت كجيب بحري داخل الجرف القاري الفرنسي.
وترى أنقرة أن هذا المثال يكشف تناقضًا في الموقف الفرنسي، إذ تطبق باريس في محيطها القريب منطقًا يقوم على أولوية البر الرئيسي والإنصاف، بينما تشارك في مشروع يتجاهل، بحسب الموقف التركي، حقوق الجرف القاري التي أُبلغت بها الأمم المتحدة.
اتصالات بين أنقرة وباريس وتحذير يوناني
ذكرت «كاثيميريني» أن آخر لقاء بين مسؤولين أتراك وفرنسيين عُقد قبل ساعات من نشر اليونان إخطارها الملاحي. لكن المعلومات التي قدمتها باريس عبر القنوات الدبلوماسية لم تلبِّ مطالب أنقرة، التي أصرت على إجراء التنسيق مع الجانب الفرنسي خطيًا ومن خلال القنوات الدبلوماسية.
وبحسب مصادر يونانية نقلتها الصحيفة، حذرت أثينا باريس من أن أي اتصال مع تركيا يجب ألا يأخذ، بأي شكل، طابع طلب الإذن. وذكرت الصحيفة أن الاتصالات بين أنقرة وباريس لم تفضِ إلى اتفاق حتى الآن، مع احتمال استمرارها، فيما أبدى الجانب الفرنسي انزعاجه من انتقال الخلاف السياسي الذي سببه المشروع بين تركيا واليونان إلى الرأي العام.
وأفادت الصحيفة بأن احتمال التوصل إلى صيغة دبلوماسية جديدة لا يزال قائمًا مع اقتراب السفينة من منطقة البحث. وكان متوقعًا أن تغادر Abeille Marengo ميناء هيراكليون في 9 نوفمبر، وأن تتضح الخطوات التركية بصورة أكبر بعد عبورها رأس كافو سيديرو شرق كريت. كما رجحت مصادر الصحيفة أن تتابع تركيا أعمال السفينة ميدانيًا بسفينة تابعة لها حتى في حال التوصل إلى تسوية دبلوماسية.
في المقابل، قال نائب وزير الخارجية اليوناني تاسوس حاجيفاسيليو إن مشروع GSI يخدم مصالح اليونان وقبرص الرومية وفرنسا، وليس مصالح أثينا ونيقوسيا وحدهما. وذكرت مصادر دبلوماسية يونانية أن الأبحاث ستجري وفق التخطيط التشغيلي للشركة في المياه الإقليمية والمناطق التي تعتبرها اليونان وقبرص الرومية ضمن جرفهما القاري.
سجل من الاحتكاكات البحرية
لا يأتي الخلاف الحالي بمعزل عن احتكاكات سابقة بين سفن أبحاث فرنسية والقوات البحرية التركية في شرق المتوسط. ففي أبريل 2021 حاولت سفينة الأبحاث الفرنسية L’Atalante تنفيذ أعمال في منطقة أبلغت تركيا بأنها ضمن جرفها القاري، وكانت ترافقها سفينة حربية يونانية. وردت تركيا بإخطار ملاحي مضاد، ثم حالت القوات البحرية التركية دون تنفيذ الأبحاث، وأعلن وزير الخارجية آنذاك، مولود تشاووش أوغلو، أن تركيا لن تسمح بأبحاث غير مرخصة داخل جرفها القاري.
وفي سبتمبر 2021، واجهت سفينة الأبحاث المرتبطة بفرنسا Nautical Geo تحذيرًا لاسلكيًا من سفينة حربية تركية قبالة كريت. وقالت وزارة الدفاع التركية إن السفينة حُذرت من دخول الجرف القاري التركي، مع التأكيد على عدم وقوع تدخل مادي.
كما شهد يونيو 2020 توترًا عسكريًا مختلفًا بين تركيا وفرنسا قبالة ليبيا بسبب مناطق الصلاحية البحرية. واتهمت باريس سفنًا حربية تركية بتوجيه رادار التحكم في النيران نحو الفرقاطة الفرنسية «كوربيه»، لكن أنقرة نفت الاتهام، وقال مسؤولون عسكريون أتراك إن الرادار لم يثبت قفلًا على السفينة الفرنسية، وإن تركيا سلمت سجلات الواقعة إلى مسؤولي حلف شمال الأطلسي. وخضعت الحادثة لفحص داخل الحلف وأدت إلى سجال دبلوماسي بين البلدين.
وتشمل سوابق اعتراض تركيا على أنشطة السفن في مناطق الصلاحية البحرية أزمتي الجرف القاري في بحر إيجه عامي 1976 و1987، فضلًا عن تحركات مرتبطة بالسفن Saipem 12000 وL’Atalante في 2018، وNautical Geo في 2021، وIevoli Relume في 2024.
وفي تقييم منفصل، حذر النائب اليوناني أنجيلوس سيريغوس من أن بلاده قد لا تملك القدرة البحرية على فرض أي اتفاق محتمل لترسيم المنطقة الاقتصادية الخالصة بين اليونان وقبرص الرومية. وقال: «بأسطولنا الحالي، إذا أجرى الأتراك تدريبات أو أبحاثًا في المنطقة فلن نستطيع إبعادهم. لا معنى لتوقيع اتفاق لا يمكننا تطبيقه».
للإطلاع على آخر الزلازل المسجلة في تركيا حتى اللحظة اضغط هنا
المصدر: Türkiye Gazetesi