ربط وزير الخارجية التركي هاكان فيدان خفض بلاده التدريجي لوجودها العسكري في العراق بتنفيذ بغداد خطتها لنزع سلاح الجماعات المسلحة، وفي مقدمتها حزب العمال الكردستاني والجماعات المرتبطة به في سنجار. وقال فيدان إن أنقرة ستتخذ خطوات في هذا الاتجاه بعد إنهاء وجود الجماعة المسلحة في المنطقة، وذلك خلال مؤتمر صحفي عقده في البيت التركي بمدينة نيويورك.
وجاءت تصريحات فيدان عقب أسبوع من التحركات الدبلوماسية المكثفة على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، التي تناولت ملفات غزة، والتوتر بين إيران والولايات المتحدة، ومضيق هرمز، وتحالف مكة، إلى جانب الوضع الأمني في العراق وسنجار.
خطة العراق لنزع سلاح الجماعات
وأوضح فيدان أن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بحث ملف الجماعات المسلحة خلال استقباله رئيس الوزراء العراقي في البيت التركي بنيويورك. وأضاف أن بغداد وضعت هدفًا سياسيًا لنزع سلاح جميع الجماعات المسلحة داخل البلاد، وهو توجه تدعمه تركيا.
وأشار إلى أن الخطة العراقية تشمل، خصوصًا، الجماعات التي يديرها حزب العمال الكردستاني والجماعات المرتبطة به، وفي مقدمتها تلك الموجودة في سنجار. وقال إن الوجود العسكري التركي في العراق ارتبط سابقًا بمكافحة الإرهاب، لكن تنفيذ خارطة الطريق العراقية لإنهاء وجود التنظيمات المسلحة والإرهابية سيفتح المجال أمام أنقرة لاتخاذ ترتيبات أخرى لخفض وجودها هناك وصولًا إلى إنهائه تدريجيًا.
وأكد فيدان أن الرئيس أردوغان أبلغ رئيس الوزراء العراقي بهذه الإرادة، مضيفًا: «بعد انتهاء وجود الجماعة الإرهابية في سنجار وزواله، سنتخذ نحن أيضًا بعض الخطوات».
غزة في صدارة التحركات الدبلوماسية
وقال فيدان إن أردوغان ألقى هذا العام خطابه السادس عشر أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، وشارك في فعالية رفيعة المستوى حول العمل المناخي والانتقال العادل، إلى جانب اجتماع ضم الرئيس الأميركي دونالد ترامب وقادة دول مجلس التعاون الخليجي لبحث قضايا إقليمية.
كما عقد أردوغان 16 لقاءً ثنائيًا، والتقى مواطنين أتراكًا مقيمين في الولايات المتحدة، ورجال أعمال أتراكًا وأميركيين، وممثلين عن مراكز أبحاث أميركية. ووصف فيدان خطاب الرئيس التركي في الجمعية العامة بأنه أشبه بـ«بيان يطرح رؤية تركيا العالمية».
وأضاف أن أردوغان أعاد تسليط الضوء على معاناة الشعب الفلسطيني، مؤكدًا أن ما يحدث في غزة يختبر الضمير الإنساني المشترك ومصداقية النظام الدولي. كما جدد دعوة تركيا إلى الاعتراف بدولة فلسطين، وشدد على استمرار دعمها للقضية الفلسطينية.
وقال فيدان إن الوفد التركي أثار خلال الاجتماعات التي شارك فيها ما وصفه بسياسات إسرائيل القائمة على «الإبادة الجماعية»، إلى جانب أنشطة الاحتلال والضم، ونقل معاناة السكان في غزة والضفة الغربية. كما طرح أردوغان حقوق القبارصة الأتراك وتوقعاتهم المشروعة على جدول الأعمال الدولي.
وتناول الرئيس التركي كذلك رؤية بلاده بشأن المناخ ومبادرة «صفر نفايات» التي تقودها أمينة أردوغان، فيما أعلنت تركيا أولوياتها ومبادراتها المرتبطة بقمة مؤتمر الأطراف للمناخ «كوب 31»، التي ستتولى رئاستها وتستضيفها العام المقبل.
قال فيدان إن عدد اللقاءات الثنائية والاجتماعات متعددة الأطراف التي عقدها خلال أسبوع الاجتماعات رفيعة المستوى تجاوز 40 لقاءً، مشيرًا إلى أن القضية الفلسطينية كانت الموضوع الأبرز في معظمها.
واجتمع وزراء خارجية إندونيسيا وقطر ومصر وباكستان والسعودية والأردن والإمارات مع نظيرهم التركي ضمن صيغة ثمانية مخصصة للقضية الفلسطينية. كما شارك الوفد التركي في اجتماعات ناقشت «إعلان نيويورك» وخطة سلام شاملة، إلى جانب لقاءات رباعية ضمت وزراء خارجية باكستان ومصر والسعودية، واجتماع ثلاثي جمع وزيري خارجية سوريا والسعودية.
والتقى فيدان نظيريه الباكستاني والسعودي في إطار تحالف مكة، كما ترأس، بصفته رئيس الدورة الحالية، اجتماع التنسيق السنوي لمجلس وزراء خارجية منظمة التعاون الإسلامي في نيويورك. واستضافت تركيا والولايات المتحدة اجتماعًا حول الدعم الدولي للسلام والوحدة والازدهار في ليبيا، فيما ناقش وزراء خارجية منظمة الدول التركية، خلال اجتماع غير رسمي، التطورات الإقليمية والدولية.
وشارك الوزير التركي أيضًا في الاجتماع الثلاثين لوزراء خارجية مجموعة «ميكتا»، التي ستتولى تركيا رئاستها الدورية العام المقبل، والتقى ممثلي مراكز أبحاث لعرض أولويات السياسة الخارجية التركية ورؤيتها. وقال إن نواب وزير الخارجية وأعضاء الوفد التركي شاركوا بدورهم في عدد كبير من الاجتماعات واللقاءات طوال الأسبوع.
وأضاف أن تركيا أسهمت في أعمال أممية تناولت الهجرة والتنمية والمساعدات الإنسانية وتغير المناخ والأمن الغذائي، ودعت المجتمع الدولي إلى إنتاج حلول مشتركة للمشكلات المشتركة. كما شددت على أن معالجة القضايا الإقليمية يجب ألا تُبحث خارج المنطقة، وأكدت دعمها لإصلاح منظومة الأمم المتحدة.
تحالف مكة وتهديدات تستهدف السعودية
وفي رده على سؤال مراسلة وكالة «إخلاص» في الولايات المتحدة، ديلك كايا، بشأن مرحلة تأسيس تحالف مكة وجدوله الزمني، قال فيدان إن وزراء خارجية التحالف عقدوا اجتماعًا جديدًا في نيويورك ضمن مشاورات متواصلة منذ إطلاق المسار.
وأوضح أن منصب الأمين العام يمثل خطوة أساسية في عملية مأسسة التحالف، وأن الهدف كان حسمه خلال أسبوعين. وذكر أن الجانب الباكستاني قدم مرشحًا، مرجحًا أن توافق عليه الدول الأعضاء، ليبدأ الأمين العام مهامه، على أن تُستكمل بعد ذلك إجراءات تعيين باقي المناصب.
وأشار فيدان إلى وجود تهديدات وتطورات عسكرية تستهدف السعودية من الجنوب والشمال، موضحًا أن الاجتماع تناول تقييمًا سياسيًا عامًا لهذه الأوضاع. وأضاف أن اجتماعًا فنيًا عسكريًا عُقد أمس في الرياض بمشاركة رئيس الأركان التركي، وأنه تحدث معه في اليوم نفسه بهدف تنسيق الجوانب العسكرية الفنية مع الرؤية السياسية، كما أُطلع أردوغان على النتائج.
وقال فيدان إن القوات المسلحة التركية «تتمتع باحترافية عالية»، وتمتلك القدرة والخبرة اللتين تتيحان لها مواجهة مختلف التهديدات، مضيفًا أن أنقرة راضية عن الأعمال الجارية، وتأمل مواصلة جهودها لتوفير بيئة أكثر سلمًا وأقل عرضة للصراع.
غزة ومضيق هرمز والتوتر مع إيران
ذكر فيدان أن اجتماع أردوغان مع ترامب وقادة دول الخليج ركز على موضوعين رئيسيين: الصعوبات التي تواجه خطة السلام في غزة، التي بدأ مسارها العام الماضي، وما وصفه بعدم التزام إسرائيل بالقواعد، إضافة إلى التوتر المستمر في الخليج والسبل الممكنة لمعالجته.
وقال إن أردوغان عرض رؤية تركيا للسلام الإقليمي، وحذر من التهديد الذي يمثله التوسع الإسرائيلي، وتناول مشكلات غزة، كما طرح رؤيته ومقترحاته لتجاوز حالة الانسداد في مضيق هرمز.
ورأى فيدان أن عزلة إسرائيل الدولية تتزايد، معتبرًا أن الدبلوماسية التي تتبعها تركيا وشركاؤها أسهمت في تحويل مشاعر المجتمع الدولي إلى مواقف واحتجاجات وسياسات قابلة للتنفيذ. وأضاف أن هدف بلاده هو إنهاء مأساة غزة في أسرع وقت، وزيادة حجم المساعدات الإنسانية، وضمان ألا يعيش الفلسطينيون تحت هاجس القلق على مستقبلهم.
وقال إن ما وصفه بظلم إسرائيل ومجازرها لم يعد يمر بلا نتائج كما كان في السابق، وإنها تواجه تبعات سياسية وقانونية، بما في ذلك إجراءات أمام محاكم دولية مثل محكمة العدل الدولية ومحاكم جنائية. وأضاف أن ما يقارب 200 دولة تحتاج إلى قيادة دبلوماسية تراعي القيم المشتركة ولا تمارس التمييز وتهدف إلى السلام، معتبرًا أن الجهود التركية مع حلفائها تحقق نتائج مهمة في القضية الفلسطينية.
وفي الملف الإيراني، قال فيدان إنه التقى وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، كما أجرى خلال وجوده في نيويورك لقاءات مع مسؤولين أميركيين. وأوضح أن إيران طرحت حزمة مقترحات تتعلق بشروط إعادة فتح مضيق هرمز، وأنه استمع مجددًا إلى هذه الشروط من نظيره الإيراني، كما حصل على انطباعات أولية بشأن ردود الفعل الأميركية عليها.
وأشار إلى أن استمرار الاتصالات يمثل جانبًا إيجابيًا، لكن عدم التوصل إلى نتيجة حتى الآن يبقى أمرًا سلبيًا. ونقل أن أردوغان أكد لترامب هاتفيًا ضرورة مواصلة العمل عبر المسار الدبلوماسي، من دون السماح باندلاع مواجهة أو تجدد الحرب.
وأضاف فيدان أن دول الخليج، بوصفها الأكثر تأثرًا بهذا الملف اقتصاديًا وفي ظروف الحرب، إلى جانب حلفاء تركيا وشركائها، تشارك هذا الموقف، مؤكدًا أن أنقرة نقلت ذلك بوضوح إلى المسؤولين الإيرانيين. وقال إن إيران تواجه عقوبات وتهديدًا بالحرب وهجمات، لكن هناك أيضًا مواقف إيرانية يمكن إدارتها بطرق مختلفة، موضحًا أن المحادثات بحثت بصورة موسعة كيفية الوصول إلى السلام سريعًا ومنع اتساع رقعة الحرب في المنطقة.
وختم فيدان بالقول إن الأسبوع المنصرم أظهر تعدد أبعاد السياسة الخارجية التركية وقدرة البلاد الدبلوماسية، مؤكدًا أن أنقرة تسعى إلى الجمع بين الموقف المبدئي والدبلوماسية القائمة على النتائج، ومواصلة استخدام أدواتها الدبلوماسية وبناء جسور بين الأطراف المختلفة وتعزيز وزنها في المنصات متعددة الأطراف.
المصدر: Türkiye Gazetesi