أفاد خبراء ومصادر تحدثت إلى صحيفة تركية بأن عبد الله أوجلان كان مستعداً، بعد اعتقاله في كينيا ونقله إلى تركيا عام 1999، لاتخاذ خطوات تؤدي إلى تفكيك حزب العمال الكردستاني «بي كي كي» وإنهاء نشاطه المسلح، لكن ما وصفوه بـ«لوبي عدم الحل» عرقل ذلك المسار. وبحسب هذه الرواية، أعاد التأخير تنظيم الحزب ومنح تركيا 27 عاماً إضافية من الخسائر الأمنية والاقتصادية والاجتماعية.
ويقول الخبراء إن الأرضية التي تشكلت بعد اعتقال القيادي في «بي كي كي» شمدين صاقيك، ثم أوجلان، جرى تخريبها بدلاً من استثمارها، فيما لعبت أطراف داخل مؤسسات الدولة وشخصيات وكيانات رافضة للحل دوراً في إبقاء الملف بعيداً عن مسار سياسي قابل للإنجاز. ونقلت الصحيفة عن مصادر لم تكشف أسماءها معلومات بشأن الدور المنسوب إلى العقيد حسن أتيلا أوغور ومنظمة «فتح الله غولن» المعروفة اختصاراً بـ«FETÖ».
أوغور لم يكن ضمن فريق العملية
ارتبط اسم حسن أتيلا أوغور، وهو عقيد سابق في جهاز «جيتيم» التابع للدرك، بملفات أمنية مثيرة للجدل في شرق وجنوب شرقي تركيا، بينها ما عُرف شعبياً بـ«التوروس الأبيض» و«آبار الحمض» و«فرق السكاكين». وبعد القبض على أوجلان، اكتسب أوغور في الأوساط العامة لقب «العقيد الذي جلب أوجلان من كينيا»، إلا أن شهادة أحد المشاركين في تلك المرحلة تشير إلى أنه لم يكن ضمن فريق العملية الذي نفذ نقله إلى تركيا.
وقال العقيد المتقاعد ميثات إشيك إن الضابط التركي الذي خاطب أوجلان عند وصوله بعبارة «أهلاً بك في وطنك» كان العقيد عبد الله صويل أوغلو، وليس أوغور. وأضاف أن فريقاً من القوات الخاصة جرى إعداده في معسكر كاربوز قلدران العسكري بمدينة أنطاليا لتنفيذ المهمة، لكنه استُبدل في اللحظة الأخيرة.
وأوضح إشيك أن الفريق الذي أُعد في كاربوز قلدران كان في الأصل الفريق الذي شارك في القبض على شمدين صاقيك، بينما توجه إلى موقع العملية فريق آخر ضم مترجماً يتحدث الفرنسية وطبيباً وطيارين اثنين. ووفق شهادته، دخل أوغور على خط الملف منذ لحظة وصول أوجلان إلى تركيا وشارك في جلسات الاستجواب.
وقال إشيك إنه لا يعرف سبب إبعاد القوات الخاصة عن الملف قبل العملية وبعدها، لكنه أشار إلى أن جميع الصلاحيات المتعلقة بأوجلان نُقلت إلى قوات الدرك. ويضيف ذلك بعداً جديداً إلى الرواية المتداولة في تركيا حول الجهة التي أدارت الاستجوابات والقرارات التي اتُخذت خلالها.
رواية عن فرصة سياسية لم تُستثمر
وقال Ersönmez Yarbay، أحد مؤسسي حزب العدالة والتنمية، إن الحزب الذي وصل إلى الحكم بعد تأسيسه بثلاث سنوات أُبعد لسنوات طويلة عن ملف أوجلان. وذكر أن السنوات الأولى من حكم الحزب انشغلت بملفات مصيرية، بينها انتخابات رئاسة الجمهورية و«المذكرة الإلكترونية» ومحاولات إغلاق الحزب.
وأضاف Yarbay أن القبض على أوجلان كان حدثاً مهماً، لكن السياسة أُخرجت من المشهد خلال تلك المرحلة، فيما جرى تصميم مسار آخر للملف. ورأى أن الظروف التي كانت متاحة آنذاك للتخلص من «آفة الإرهاب» كانت أفضل بكثير من الظروف الحالية، إلا أن الأزمات التي تلت الاعتقال دفعت القضية إلى ما وصلت إليه لاحقاً.
قال الأكاديمي البروفيسور علي كمال أوزجان إن أوجلان كان في عام 1999 مستعداً لاتخاذ خطوات لتصفية التنظيم، معتبراً أن الظروف السياسية والأمنية في ذلك الوقت كانت أكثر ملاءمة من الوقت الراهن.
وزعم أوزجان أن شخصيات مدنية ورسمية، بينها حسن أتيلا أوغور، مثّلت ما وصفه بـ«الدولة العميقة ذات المظهر التركي»، وأن أطرافاً مرتبطة بحزب «الشعوب الديمقراطي» السابق وتيار منظمة غولن انضمت إلى الجهود التي عطلت فرص السلام. كما قال إنه ناقش هذه الملفات مع أوجلان عام 2019، وإن الأخير تحدث عن جدران سميكة أُقيمت آنذاك بينه وبين ممثلي الدولة.
وأضاف أوزجان أن بعض الأطراف حاولت استخدام أوجلان في مسعى لإسقاط الرئيس رجب طيب أردوغان، وفق تعبيره، وأن ما وصفه بـ«لوبي عدم الحل» لم يعرقل مسار عام 1999 فقط، بل أثر أيضاً في «مؤامرة أوسلو» و«مسار السلام الأول».
اتهامات بتعطيل نقل رسائل أوجلان
قدم مصدر أمني رفيع المستوى من تلك الفترة، طلب عدم الكشف عن هويته، رواية أكثر تفصيلاً عن التغييرات التي سبقت العملية. وقال إن استبدال الفريق الذي أُعد في كاربوز قلدران وتكليف أوغور بملف الاستجواب جاءا بناءً على طلب فريق أجنبي وصل إلى أنقرة قبل عملية كينيا، مشيراً في الوقت نفسه إلى حصول هذا الفريق على دعم من داخل تركيا.
ووفق المصدر، كان أوجلان يكرر خلال الاستجوابات مقترحات تتعلق بإنهاء التنظيم، وإنزال عناصره من الجبال، وتهيئة أرضية لإلقاء السلاح. لكنه اتهم أوغور ومن حوله بإضاعة الوقت عبر طرح أسئلة لم تعد مرتبطة بوقائع المرحلة، وعدم تمرير جلسات الاستجواب إلى مراحل التقييم التي كان يُطلق عليها اسم «دولاب المعلومات».
وقال المصدر إن أوجلان كان يطلب بإصرار معرفة مطالب الدولة وما يمكنه هو القيام به، إلا أن أوغور وفريقه لم ينقلوا تلك الأحاديث إلى المسؤولين والجهات المعنية، بحسب روايته. وأضاف أن غياب آلية فعالة للاستفادة من وجود زعيم التنظيم في قبضة الدولة أتاح لـ«بي كي كي» إعادة ترتيب صفوفه، وأن ما نُفذ في النهاية لم يكن مطالب الدولة، بل ما أرادته الجهات والأشخاص الذين كانوا يقفون خلف أوغور، على حد قوله.
خسائر أمنية واقتصادية واجتماعية
وقال الأكاديمي البروفيسور آدم بالابييك إن ما وصفها باللوبيات التي عرقلت طريق تركيا تعاونت مع منظمة غولن وتحركت بالتنسيق مع أجهزة استخبارات أجنبية، مضيفاً أن الهجمات الإرهابية استنزفت طاقة البلاد وأخرت مشاريع التنمية.
وأشار بالابييك إلى أن مكافحة كيانات مثل «بي كي كي» و«FETÖ» استغرقت وقتاً طويلاً، وأثرت في تنفيذ مشاريع اقتصادية وتقنية، كما أدت إلى تأخير خطوات في قطاع الصناعات الدفاعية. وقال إن التطورات التي تشهدها تركيا اليوم كان يمكن إنجازها في وقت أبكر لولا الحزب وشركائه، وفق تقديره.
وعدّد الأكاديمي آثاراً أخرى قال إنها نتجت عن استمرار الصراع، بينها خسائر اقتصادية بلغت مئات المليارات، ونزوح قسري أخلّ بالتوازنات الداخلية، وتضرر الثقة الاجتماعية، وتعثر التطور الديمقراطي. وتقدم هذه التصريحات تفسيراً للقول إن تأخير استثمار فرصة عام 1999 لم ينعكس على الملف الأمني وحده، بل امتد إلى مسار التنمية والاستقرار في تركيا.
المصدر: Türkiye Gazetesi