كشفت دراسة جديدة أن سمكة البالون اليابانية تستطيع التمييز بين صيغتين من بعض الأحماض الأمينية لا يفرّق الإنسان بينهما، بفضل مرونة غير معتادة في مستقبل التذوق المسؤول عن الإحساس بنكهة «أومامي». وحدد فريق بحثي الآلية الجزيئية التي تمكّن هذا المستقبل من التعامل مع الصيغتين، L وD.
تدخل الأحماض الأمينية في أساس الإحساس بالمذاق، لكن معظمها يوجد في شكلين يتكونان من الذرات نفسها، ويكون أحدهما صورة مرآة للآخر. ويُعرف هذان الشكلان في الكيمياء باسم L وD. وبينما يتعرف مستقبل الأومامي لدى الإنسان والفأر بدرجة كبيرة على صيغة L فقط، تمتلك سمكة البالون اليابانية Takifugu rubripes مستقبلًا أكثر مرونة، قادرًا على رصد بعض الأحماض الأمينية من صيغة D أيضًا.
وقادت أتسوكو ياماشيتا، من معهد أبحاث البروتين في جامعة أوساكا، فريقًا شارك فيه باحثون من جامعة أوكاياما ومركز ريكن SPring-8، لدراسة هذه الآلية. ولم يفحص الباحثون المستقبل الموجود في غشاء الخلية بأكمله، بل ركزوا على الجزء الذي يلتقط جزيئات الغذاء.
مستقبل يشبه مصيدة فينوس
أظهرت النتائج أن المستقبل لا يعتمد فقط على نوع الجزيء الذي يرتبط به، بل على المدة التي يستطيع خلالها الحفاظ على بنيته بعد الارتباط. ولتحديد هذه البنية، نجح الفريق في استنبات جزأين من مستقبل السمكة داخل خلايا حشرية عند درجة حرارة 20 مئوية، على مدى 7 أيام.
بعد ذلك، بلور الباحثون الجزء المسؤول عن التقاط جزيئات الغذاء، وفحصوه باستخدام علم البلورات بالأشعة السينية. وكشفت البنية عن شكل يشبه «مصيدة فينوس»؛ إذ يضم المستقبل فصّين تفصل بينهما فجوة، وعندما يرتبط الحمض الأميني بها يقترب الفصّان من بعضهما وينغلقان.
ويُعد هذا الانغلاق مرحلة أساسية في توليد الإشارة التي ينقلها المستقبل إلى الخلية. أما إذا لم يرتبط الجزيء بالطريقة الملائمة، فيصعب على البنية أن تنغلق وأن تنقل إشارة التذوق.
استجابة مختلفة لكل صيغة
اختبر الفريق المستقبل باستخدام أحماض أمينية متنوعة، فدرس أولًا ما إذا كانت الجزيئات ترتبط به، ثم قاس مدى تنشيطه داخل الخلايا الحية. وكما كان متوقعًا، ارتبطت الأحماض الأمينية من صيغة L بالمستقبل، لكن بعض الأحماض الأمينية من صيغة D تفاعلت معه أيضًا.
وكان D-ألانين وD-فينيل ألانين أبرز مثالين؛ إذ ارتبطا بالمستقبل وأحدثا تنشيطًا قابلًا للقياس. وعند تكرار التجارب باستخدام مستقبل الأومامي البشري، لم يظهر هذا المستقبل المرونة نفسها تجاه أحماض D.
مع ذلك، لم تكن قوة الارتباط متساوية بين الصيغتين. فقد ارتبط مستقبل السمكة بـL-ألانين بقوة أكبر بنحو 11 مرة مقارنة بـD-ألانين. وفي المقابل، أحدث D-فينيل ألانين استجابة أقوى من L-فينيل ألانين، رغم أن ارتباطه بالمستقبل كان أضعف.
أما L-غلوتامات وL-أسبارتات، وهما من الأحماض الأمينية التي يستجيب لها مستقبل الأومامي البشري بقوة خاصة، فقد ارتبطا بمستقبل السمكة، لكنهما لم يسببا إشارة تذوق واضحة.
«قفلان» يحددان مدة الإغلاق
ركز الباحثون على زوجين من السلاسل الجانبية للأحماض الأمينية يتحكمان في الفجوة الواقعة بين فصي المستقبل. ولا تلامس هذه السلاسل الجزيء المرتبط مباشرة، بل تعمل كقفلين صغيرين يربطان الفصّين ويساعدان على إبقائهما في الوضع المغلق.
وعندما استبدل الفريق هذه السلاسل الجانبية بنظيراتها الموجودة في مستقبل الأومامي البشري، تراجعت استجابة مستقبل السمكة لـD-ألانين. كما أدى تغيير منفرد آخر إلى إزالة قدر كبير من انتقائية المستقبل.
ولم تغيّر هذه التعديلات بصورة كبيرة قوة ارتباط الأحماض الأمينية بالمستقبل، بل أثرت أساسًا في المدة التي بقي خلالها المستقبل مغلقًا. وبعبارة أخرى، لا يكتفي المستقبل بتحديد ما إذا كان الجزيء قد ارتبط به، بل يقيّم أيضًا ما إذا كان هذا الارتباط سيبقيه مغلقًا مدة تكفي لإرسال الإشارة.
وشبّهت ياماشيتا هذه الآلية بالقفل، موضحة أن البنية تستطيع تثبيت الأحماض الأمينية من صيغة L أو D في موضعها، ما يمنحها قدرة أكبر على التعامل مع جزيئات مختلفة.، تشير هذه النتيجة إلى أن تعديل نقطة صغيرة بعيدة عن موضع التقاط الجزيء قد يوسّع نطاق المواد التي يستطيع المستقبل رصدها.
غذاء السمكة قد يفسر المرونة
يرجح الباحثون أن النظام الغذائي لسمك البالون أسهم في تطور هذه الخاصية. فالسمكة تتغذى على الرخويات والقشريات، وقد تحتوي أنسجة هذه الكائنات على كميات من الأحماض الأمينية من صيغة D أكبر مما يوجد عادة لدى حيوانات أخرى.
فعلى سبيل المثال، يمكن أن يشكل D-ألانين ما بين 30 و84% من الألانين الحر الموجود في بعض القشريات ومجموعة كبيرة من بلح البحر. وتُعرف هذه الجزيئات بدورها في مساعدة الحيوانات على الحفاظ على توازن الأملاح داخل أجسامها.
وترى ياماشيتا أن اعتياد سمك البالون على تناول رخويات وقشريات غنية بأحماض D قد يفسر تطور مستقبل قادر على التقاط الصيغتين معًا. وقد تمنح هذه الميزة السمكة نطاقًا أوسع لاكتشاف الأحماض الأمينية ذات المذاق المستساغ في غذائها.
أسئلة لا تزال مفتوحة
رغم تحديد بنية الجزء الذي يلتقط جزيئات الغذاء، لم تُشرح الآلية كاملة بعد. فقد فشلت محاولات إعداد بلورات مرتبطة بـL-فينيل ألانين، ولذلك لم يتمكن الباحثون من تصوير بنيتها مباشرة واضطروا إلى الاستعانة بالنمذجة الحاسوبية.
كما لا يزال من غير الواضح تمامًا لماذا ترتبط بعض الأحماض الأمينية بالمستقبل من دون أن تولد إشارة قوية. ومن المسائل التي تحتاج إلى دراسة أيضًا معرفة ما إذا كانت مستقبلات التذوق لدى الإنسان تستخدم الآلية نفسها، إذ لم تُحدَّد حتى الآن بنية مستقبل تذوق بشري يتعامل مع حمض أميني من صيغة D.
ومع ذلك، تقدم الدراسة مؤشرًا إلى طريقة تعديل مستقبلات التذوق لتتعرف إلى جزيئات جديدة. وبدل إعادة تصميم الجزء الذي يلتقط الغذاء مباشرة، قد تكفي تغييرات بنيوية صغيرة في موضع آخر من المستقبل لتوسيع قائمة الجزيئات التي يمكنه رصدها، وهو نهج قد يُبحث مستقبلًا في تصميم مستقبلات التذوق، وتطوير نكهات جديدة، وإعداد أعلاف الأسماك وحيوانات المزارع.
المصدر: Sözcü