أنهت نتفليكس اتفاقها مع المخرج ديفيد فينشر، في وقت فقدت فيه شراكات أخرى مع أسماء بارزة مثل شون ليفي والأخوين مات وروس دافر، ما يشير إلى تحول في استراتيجية المنصة نحو المسلسلات الأقل تكلفة والفعاليات المباشرة والبرامج الرياضية، مع تقليص اعتمادها على الصفقات الطويلة مع كبار المخرجين.
وأعلنت نتفليكس الخميس انتهاء اتفاق الإنتاج مع فينشر بعد ست سنوات. وكانت الشراكة قد أُعلنت عام 2020 لمدة أربع سنوات في الأصل، ومنحت المنصة حقوق البث الحصرية لمشروعات المخرج المقبلة، ومنها فيلم «مانك» الذي تناول سيرة كاتب السيناريو هيرمان ج. مانكيفيتش.
لم يكن اختيار فينشر عشوائيًا؛ فقد تولى إنتاج مسلسلات أصلية لنتفليكس مثل «هاوس أوف كاردز» و«مايندهنتر»، واعتُبر الاتفاق معه دليلًا على ثقة الشركة بقدرته على جذب الجمهور. لكن النتائج التجارية لأعماله لم تكن بمستوى مكانته النقدية.
نجاح نقدي لا يتحول إلى عائد تجاري
حصل «مانك» على إشادة واسعة من النقاد، ورُشح لعشر جوائز أوسكار، فاز باثنتين منها. إلا أن الفيلم لم يحقق خلال عرضه السينمائي الممتد ثلاثة أسابيع سوى نحو 100 ألف دولار، مقابل ميزانية بلغت 25 مليون دولار. وبعد انتقاله إلى نتفليكس، لم يمضِ سوى يوم واحد في قائمة الأفلام العشرة الأكثر مشاهدة على المنصة، وفي المركز الأخير.
أما فيلم فينشر التالي لنتفليكس، «ذا كيلر» الصادر عام 2023، فقد تصدر قائمة المشاهدة عند إطلاقه، لكن إيراداته السينمائية لم تتجاوز 452 ألف دولار، في حين بلغت ميزانيته 175 مليون دولار. ومع استعداد فيلم «ذا فورثر ميس-أدفنتشرز أوف كليف بوث» للعرض في دور السينما لمدة أسبوعين قبل وصوله إلى نتفليكس في 23 ديسمبر، قد تواجه المنصة مجددًا فيلمًا مرموقًا من الناحية الإبداعية، لكنه لا يمثل بالضرورة مكسبًا ماليًا كبيرًا.
فإن مسار شون ليفي مع نتفليكس يعكس الاتجاه نفسه. فبعد نحو عقد من العمل الحصري مع المنصة في مشروعات شملت «سترينجر ثينغز» و«ذا آدم بروجكت» و«شادو أند بون»، أعلن ليفي الشهر الماضي توقيع اتفاق إنتاج شامل جديد مع ديزني، الشركة التي بدأت فيها مسيرته عبر عدد من أعمال قناة ديزني. وقد قدّم قراره بوصفه عودة إلى موطنه السابق، لكن خروجه جاء أيضًا بعد خيبة أمل الجمهور والنقاد من الموسم الأخير من «سترينجر ثينغز».
وفي أغسطس 2025، أعلن التوأمان مات وروس دافر، مبتكرا «سترينجر ثينغز»، مغادرتهما نتفليكس إلى اتفاق إنتاج تلفزيوني وسينمائي مدته أربع سنوات مع باراماونت. ولا يزال من الممكن أن يشاركا في مشروعات مستقبلية مرتبطة بـ«سترينجر ثينغز»، كما حقق مسلسلهما التالي «ذا بورووز» أرقامًا مقبولة عند عرضه على نتفليكس في مايو، لكن المنصة ألغته بعد شهر واحد فقط من إطلاقه.
من صفقات النجوم إلى رهانات أكثر تحفظًا
قال الرئيس التنفيذي المشارك لنتفليكس، تيد ساراندوس، في مقابلة مع «هوليوود ريبورتر»، إن مغادرة ليفي والأخوين دافر ارتبطت برغبتهم في تخصيص وقت أكبر للأفلام الطويلة. ومن المقرر عرض فيلم ليفي «ستار وورز: ستارفايتر» في مايو المقبل، بينما يصل فيلم الأخوين دافر، الذي لم يُعلن عنوانه بعد، إلى دور السينما في وقت ما من عام 2028.
ورغم تقديم ساراندوس قرارات المخرجين باعتبارها تطورًا إيجابيًا في مساراتهم المهنية، فإنها تأتي ضمن سلسلة أوسع من انتهاء الشراكات الطويلة. فقد انفصلت نتفليكس أيضًا عن نواه باومباخ، كاتب ومخرج «ماريدج ستوري»، بعدما لم تحقق أعماله الأخرى للمنصة، مثل «وايت نويز» و«جاي كيلي»، حضورًا لافتًا.
ولا يعني ذلك أن نتفليكس تخلت تمامًا عن المخرجين أصحاب الأسماء الكبيرة. فما زال اتفاقها مع غييرمو ديل تورو قائمًا، كما تتعامل مع أول أفلام غريتا غيرويغ من سلسلة «نارنيا» باعتباره حدثًا سينمائيًا، إذ سيُعرض في دور السينما سبعة أسابيع قبل بدء بثه على المنصة. كذلك يملك ريان جونسون فرصة العودة إلى نتفليكس بعد إتمام التزاماته ضمن اتفاق قيمته 450 مليون دولار لإنتاج فيلمين جديدين من سلسلة «نايفز آوت».
لكن الاتجاه العام يبدو أكثر حذرًا. فمع اقتراب اندماج ضخم بين شركتي باراماونت و«وارنر براذرز ديسكفري»، وما قد يسببه من إعادة رسم لخريطة صناعة الترفيه، تبحث نتفليكس عن وسائل للحفاظ على موقعها في المنافسة المحتدمة بين خدمات البث، من دون الاعتماد بالقدر نفسه على المخرجين ذوي الشهرة العالمية.
المسلسلات والفعاليات في صدارة الخطة الجديدة
تتجه الشركة إلى زيادة إنتاج المسلسلات الأقل تكلفة، إلى جانب الفعاليات المباشرة والبرامج الرياضية. وهي لا تتخلى عن الأفلام بالكامل؛ فمن المقرر أن تتولى غيرويغ إخراج فيلم آخر من «نارنيا»، كما يجري العمل على جزء ثانٍ من «كي بوب ديمون هانترز». إلا أن المحتوى الممتد على حلقات أثبت فاعلية أكبر في دفع المشتركين إلى العودة المتكررة إلى المنصة.
ومن هذا المنطلق، بدأت نتفليكس الترويج لبرامج واقع غير مألوفة مثل «سكويد غيم: ذا تشالنج» و«ذا غولدن تكت» المستند إلى عالم «ونكا»، إضافة إلى «ذا نيو ستانفورد بريزن إكسبريمنت». وقد لا تبدو هذه الأعمال ضرورية للمشاهدة بالطريقة التي بدت بها مسلسلات الرعب التي أنتجها مايك فلاناغان للمنصة قبل انتقاله إلى أمازون عام 2022، لكن ذلك قد لا يمثل مشكلة لنتفليكس إذا استمرت في جذب المشاهدين.
بعد سنوات من إنفاق ملايين الدولارات على أفلام لم تؤدِّ دائمًا إلى نمو ثابت في أعداد المشتركين، تبدو نتفليكس مقبلة على مرحلة من الرهانات المالية الأكثر تحفظًا. وقد تجعل هذه السياسة الخدمة أقل فخامة مما كانت عليه في السابق، لكنها قد تساعدها على مواصلة المنافسة في سوق البث المتغير.
المصدر: theverge