قانون العمل في سوريا 2026: بين مرونة عام 2010 والتعديلات الهيكلية المتوقعة

يشهد الملف التشريعي لقطاع التوظيف والأعمال في سوريا تحولات جذرية تستهدف إعادة التوازن بين دفع عجلة الإنتاج الاقتصادي، وجذب الاستثمارات الخارجية والوطنية، وصون حقوق الطبقة العاملة. ومع حلول عام 2026، تتجه الأنظار نحو حزمة من التعديلات الهيكلية المرتقبة التي فرضتها المتغيرات النقدية والاجتماعية في البلاد، وسط مساعٍ حثيثة لتحديث القوانين لتتناسب مع متطلبات السوق الراهنة وتحديات مرحلة التعافي.
قانون العمل رقم 17 لعام 2010: محطة التغيير الأكبر والإرث التشريعي
شكل صدور قانون العمل رقم 17 لعام 2010 قفزة تنظيمية واسعة في تنظيم العلاقات العمالية داخل القطاع الخاص، الشركات المشتركة، والقطاع التعاوني في سوريا. جاء هذا القانون ليحل مكان التشريعات القديمة الصادرة منذ عام 1959، بهدف مواكبة سياسة “اقتصاد السوق الاجتماعي” التي كانت متبعة آنذاك، والتي ركزت على إعطاء دور أكبر للمبادرات الخاصة.
تميز قانون 2010 بإدخال مفاهيم مرنة لصالح أصحاب العمل والمستثمرين، لاسيما في البنود المتعلقة بفترات التجربة، ومكافآت نهاية الخدمة، وآليات إبرام العقود محددة المدة. وعلى الرغم من أنه ضمن حقوقاً أساسية مثل تنظيم ساعات العمل، الإجازات السنوية والمرضية، ورعاية الأمومة، إلا أنه واجه انتقادات لاذعة من النقابات العمالية والباحثين القانونيين.
وتمثلت أبرز المآخذ عليه في تسهيل إجراءات “التسريح الاقتصادي” (تخفيض حجم العمالة لأسباب مالية)، ومنح مرونة أوسع لرب العمل لإنهاء العقود غير محددة المدة بشروط إخطار مخففة وبتعويضات اعتبرت غير رادعة، مما قلل من الاستقرار الوظيفي للعامل مقارنة بالقوانين الموروثة من القرن الماضي والتي كانت تميل لحماية العامل بوصفه الطرف الأضعف في العلاقة التعاقدية.
دوافع التغيير ومبررات التعديل في البيئة الحالية
لم تعد البيئة الاقتصادية التي أُنتج فيها قانون 2010 تشبه واقع الحال؛ فالسنوات الطويلة من الحرب والضغوط الاقتصادية أدت إلى تبدل كامل في هيكلية القوة الشرائية وتوزيع اليد العاملة. هجرة الكفاءات السورية إلى الخارج، ونمو الاقتصاد غير المنظم، وظهور أنشطة تجارية تعتمد كلياً على التكنولوجيا الرقمية، كلها عوامل جعلت من القانون الحالي قاصراً عن تلبية احتياجات السوق الحقيقية، ومقيداً لقدرة الشركات على النمو القانوني المنظم، مما استدعى تحركاً تشريعياً شاملاً.
التعديلات المتوقعة في عام 2026 ورؤية التعافي الاقتصادي
تفرض البيئة التنافسية والواقع المعيشي في عام 2026 صياغة بنود قانونية جديدة تتلاءم مع متطلبات الأمان الاجتماعي وتشجيع الاستثمار الحر. وتتمحور التوقعات والتعديلات الجاري نقاشها في الأروقة التشريعية ولجان مجلس الشعب حول عدة محاور أساسية:
1. مرونة الأجور وربطها بالتضخم
التركيز الأكبر ينصب على تعديل آليات احتساب الأجور في القطاع الخاص. تتجه التوقعات نحو إقرار مراجعة دورية إلزامية للحد الأدنى للأجور لتتناسب مع معدلات التضخم والقوة الشرائية الحقيقية. الهدف الأساسي هنا هو وقف تسرب الكفاءات السورية نحو الأسواق المجاورة والإقليمية عبر إلزام المنشآت بتقديم حوافز مالية مدروسة ترتبط بنسب التضخم السنوية.
2. إصلاحات قطاع التأمينات الاجتماعية والشركات المتعثرة
تأتي التعديلات المتوقعة للبناء على المراسيم التشريعية التسهيلية الأخيرة، مثل المرسوم التشريعي رقم 29 لعام 2026، والذي قضى بمنح أصحاب العمل والمشتركين لدى المؤسسة العامة للتأمينات الاجتماعية إعفاءات واسعة من الفوائد، المبالغ الإضافية، وغرامات التأخير في حال سداد اشتراكاتهم.
هذا التوجه التشريعي يسعى إلى تحفيز المنشآت والورش الصغيرة والمتوسطة على تسوية أوضاعها المالية، وتسجيل عمالها رسمياً في التأمينات، مما يضمن إدخال شريحة واسعة من العمالة غير المنظمة تحت مظلة الحماية الاجتماعية والصحية المقوننة.
3. تقييد الفصل التعسفي وتعويضات نهاية الخدمة
تتضمن المقترحات الجديدة مراجعة المادة 16 والمواد المرتبطة بإنهاء علاقة العمل من طرف واحد. تشير التوقعات إلى وضع ضوابط أكثر صرامة للحد من الفصل التعسفي، ورفع قيمة التعويضات الممنوحة للعامل في حال إثبات الضرر لتعادل راتب عدة أشهر عن كل سنة خدمة بدلاً من السقوف المنخفضة السابقة. هذا التوازن يحمي العمال من الفصل المفاجئ دون المساس بحق صاحب العمل في تسريح العمال المقصرين بناءً على لجان تحكيمية واضحة.
4. قوننة أنماط العمل الحديثة (العمل عن بُعد)
لم يعد النمط التقليدي للوظيفة (الدوام الكامل في مقر الشركة) هو الخيار الوحيد في سوريا؛ إذ يترقب الشارع القانوني إدراج نصوص صريحة تنظم “العمل عن بُعد” (Remote Work)، العمل الجزئي، والعمل الحر (Freelancing). يهدف هذا التحول إلى إعطاء غطاء قانوني وحماية مالية لآلاف الشباب السوريين الذين يعملون مع شركات إقليمية ودولية عبر الإنترنت، وتنظيم عقودهم بما يضمن تحصيل مستحقاتهم وحل النزاعات القانونية والمالية عبر تشريعات وطنية مواكبة للعصر الرقمي.