حددت وكالة الترويج والتنمية السياحية التركية 48 وجهة لتجربة المأكولات المحلية في ديار بكر، ضمن مشروع «نقاط المذاق» المقام بالتزامن مع مهرجان طريق الثقافة الذي تنظمه وزارة الثقافة والسياحة. وتقدم القائمة للزوار أطباقاً تتجاوز الكبدة والكنافة المبرومة، من المَفتونة المحضرة بحموضة السماق إلى الأرز المزخرف، وحشوة الأضلاع بالريحان، واليخنة المهروسة المطهية ببطء في الفرن.
السماق يميز مطبخ ديار بكر
جمع برنامج فنون الطهي، المقام ضمن مهرجان طريق الثقافة في ديار بكر، عدداً من الطهاة والكتاب والباحثين في ثقافة الطعام. واستضافت البرنامج غامزه جيزرلي، الشريكة المؤسسة لسلسلة «بيغ تشفس»، والطاهي ماهر نازليجان المدرج في دليل ميشلان.
وشارك في الفعاليات أيضاً الطاهيان عمر أكور وتشيغدم سفر أوغلو، المدرجان في دليل ميشلان، والطاهي إرشان يلماز المدرج في دليل ميشلان دبي، إلى جانب بورجو أونال، وغوخان علي تشامكيرتن، وإمري مراد. كما حضر كتاب فنون الطهي إبرو إركه، وموغه أكغون، وإمينه تونادان، والكاتبة والباحثة في ثقافة الطعام سيلفا أوزيرلي.
وقالت غامزه جيزرلي إن أبرز ما يميز مطبخ ديار بكر عن مطابخ المدن المحيطة هو الاعتماد على النكهات الحامضة. وأوضحت أن نقع حبات السماق في الماء ينتج «حموضة السماق»، المستخدمة في أطباق المَفتونة والحشوات وصلصات السلطات، مشيرة إلى أن معجون الكرز الحامض يمثل بدوره إحدى النكهات المميزة في المطبخ المحلي.
واقترحت جيزرلي على الزائر الذي يزور ديار بكر للمرة الأولى ثلاثة أطباق. يأتي في مقدمتها الأرز المزخرف، المحضر من أرز كاراجاداغ الخاص واللحم المفروم المتبل واللوز، والذي يقدم عادة على موائد الأعراس والأعياد. ثم مَفتونة الباذنجان المطهية مع حموضة السماق والثوم ولحم الضأن، قبل الكنافة المبرومة بالجوز.
وشددت جيزرلي على أن مطبخ ديار بكر لا يقتصر على الكباب والمشاوي، إذ تحتل أطباق الفرن مكانة مهمة فيه. وقالت إن مشروع «نقاط المذاق» سيساعد على إبراز الأطعمة الأقل شهرة عبر 48 وجهة، كما أن اللقاءات مع أصحاب المطاعم تكشف القصص المرتبطة بالوصفات وطرق انتقالها.
أطباق منزلية لا تظهر في كل مكان
بدوره، رشح الطاهي ماهر نازليجان للزوار مَفتونة الكوسا، وحشوة الأضلاع، واليخنة المهروسة. ولفت إلى أن مَفتونة الكوسا تقدم مع حموضة السماق والثوم النيئ، فيما تُعد حشوة الأضلاع طبقاً منزلياً مميزاً يجهز باستخدام ريحان ديار بكر وأرز كاراجاداغ.
وتضم قائمة أطباقه المفضلة أيضاً اليخنة المهروسة المعدة من لحم الضأن. ويُطهى الطبق في الفرن مع تحريكه على فترات محددة، إلى أن يصل إلى قوام مهروس. وقال نازليجان إن الوصفات التي تنتقل من الأمهات تشكل عنصراً حاسماً في هوية مطبخ ديار بكر.
تتمثل إحدى أبرز فوائد مشروع «نقاط المذاق» في توجيه الزوار إلى أطباق القدور التي يصعب العثور عليها بسهولة في كل مكان. ويمنح إدراج أطباق مثل المَفتونة والأرز المزخرف ضمن المسار السياحي الزائر دليلاً عملياً للتعرف إلى المطبخ المحلي بصورة أعمق.
ولا تقتصر حكاية الطعام في ديار بكر على الوصفات وحدها، إذ تربط «تعاونية نساء هيفسل» بين الحفاظ على المطبخ المحلي ودعم عمل النساء. وقالت رئيسة التعاونية، مزين قايا، إن الرحلة بدأت عام 2024 بسبع نساء، وتستمر اليوم بمشاركة 13 عاملة، فيما تسهم نساء كثيرات في الإنتاج من منازلهن وفي مناطق مختلفة من الولاية.
وتقترح قايا على زوار ديار بكر الكبة المحشوة، وأنواع الحشوات المحلية، وطبق «غيريك». وتعد التعاونية كذلك المَفتونة، والمُمبار، والمانتي، والغوزلمه المحضر يدوياً، وشراب الريحان. كما تستخدم أرز كاراجاداغ وأنواعاً مختلفة من البرغل والتوابل المحلية في الأطباق، وتبيعها أيضاً للزوار.
وأشارت قايا إلى أن إدراج منشأتها ضمن مشروع «نقاط المذاق» عزز ثقة الزبائن بها، موضحة أن السياح المحليين والأجانب باتوا يعثرون عليها بسهولة أكبر بفضل منشورات وسائل التواصل الاجتماعي ولافتة «نقطة مذاق» الموجودة عند المدخل. وترى أن تحديد الوجهات ضمن المشروع يمنح الزائر دليلاً موثوقاً لتجربة الطعام المحلي، ويساعد في التعريف بمطبخ ديار بكر.
الكبدة والكنافة. تقاليد عائلية مستمرة
في منطقة داغ كابي، تدير عائلة مطعم «جغيرجي محرم أوستا» الذي يقدم الطعام منذ عام 1982. وقال كمال طرهان، ممثل الجيل الثاني في المنشأة، إن الزوار ينبغي ألا يفوتوا الكبدة واللحم بالعجين والكنافة، مؤكداً أن استخدام المنتجات الطازجة يمثل السمة الأهم في مطبخهم.
وتشمل الأصناف الرئيسية لديهم كبدة الخروف، واللحم بالعجين، واللحم بالعظم، والدونر. وأوضح طرهان أن لحم الخروف الذكر يمنح الأطباق مذاقاً مميزاً وقواماً طرياً، بينما يحضرون الدونر من شرائح اللحم الصافي بعد إراحة اللحم وتتبيله قبل تقديمه.
واعتبر طرهان أن مشروع «نقاط المذاق» مهم للتعريف بديار بكر، لأنه يضع الكبدة والكنافة واللحم بالعجين واللحم بالعظم أمام جمهور أوسع، داعياً الزوار إلى تجربة هذه الأطعمة في المدينة التي تنتمي إليها.
وفي متجر «كاداييفجي حاجي ليفنت»، تحافظ عائلة أخرى على تقليد مهني ممتد عبر أجيال. وقال مراد ألتونهان، ممثل الجيل الثالث، إنه يعمل في المهنة منذ نحو 45 عاماً، بعدما تعلم أسرارها من والده في سن مبكرة.
وأوضح ألتونهان أن عائلته تنتج الكنافة منذ ستينيات القرن الماضي، وأنها تحرص على الحفاظ على الوصفة التقليدية وطرق الإنتاج التي اتبعها والده. وأضاف أن نوع الطحين والسمن ودرجة قرمشة الكنافة عوامل أساسية في الطعم النهائي.
وإلى جانب الكنافة المبرومة، يوصي ألتونهان باللحم بالعجين ذي العجين الرقيق، والكبدة التي تحضرها المطاعم التقليدية، ومَفتونة الباذنجان. كما أكد أن السماق يحتل مكانة مهمة في ثقافة الطعام بالمدينة.
ويرى ألتونهان أن مشروع «نقاط المذاق» يساعد الزائر على اكتشاف أطعمة جديدة، مستشهداً بتفضيله المطاعم الموصى بها عندما يسافر إلى مدن أخرى. وقال إن اهتمام الناس بمذاق الطعام يجعل المنشآت المدرجة ضمن قوائم التوصية قادرة على جذب مزيد من الزوار، ويمنح المشروع قيمة إضافية في الترويج للمأكولات التقليدية في ديار بكر.
تعاونيات نسائية تعيد وصفات قديمة إلى الواجهة
وتعمل تعاونية «كي ما» النسائية داخل مركز ديار بكر للابتكار في مجال فنون الطهي، حيث تنتج النساء الأطعمة المحلية وتحافظ على وصفاتها. وقالت رئيسة مجلس إدارة التعاونية، مريم أوزدمير أوك، إن التعاونية تأسست عام 2024، وتشتري المنتجات من النساء ثم تعالجها وتطرحها في الأسواق.
وتنصح أوك الزوار بتجربة خبز ديار بكر المحضر بالمحلب والأعشاب المحلية، وحلوى «شيليكي» بالدبس، إلى جانب أنواع المَفتونة المطهية بخضروات مختلفة. وأوضحت أن السماق وحموضة الكرز وحموضة العنب الأخضر عناصر أساسية في مطبخ المدينة.
وقالت أوك إن المشروع يساهم في التعريف بالأطباق المحلية التي بدأت تختفي، خصوصاً أطباق القدور. وأضافت أن التعاونية تنتج الدبس بنفسها، وتستخدمه في إعداد حلوى «شيليكي» التقليدية التي لا تقدمها سوى منشآت قليلة في المدينة، كما تستفيد من الخضروات الموسمية والمنتجات المجففة المعدة لفصل الشتاء.
وتقدم قائمة «نقاط المذاق» الـ48 في ديار بكر صورة واسعة عن المطبخ المحلي، بدءاً من الأكلات المنزلية والكبدة، مروراً بإنتاج التعاونيات النسائية، وصولاً إلى تقاليد إعداد الحلويات التي حافظت عليها عائلات عبر أجيال. ويتيح المشروع، الذي تنفذه وكالة الترويج والتنمية السياحية التركية، للزوار التعرف إلى وجهات الطعام المحلية، فيما تبرز حموضة السماق، ووصفات أرز كاراجاداغ، وطرق الإنتاج المتوارثة ملامح مطبخ يتجاوز صورته الشائعة المرتبطة بالكبدة والكنافة.
المصدر: Türkiye Gazetesi