عاجل | قمة أنقرة تعيد رسالة أوزال إلى الواجهة.. كيف انتقلت رؤية «قرن الأتراك» إلى مؤسسات؟

اجتمعت دول العالم التركي في قمة تاريخية بالعاصمة أنقرة بعد مسار امتد 35 عاماً، فيما تسلمت تركيا رئاسة الدورة الحالية لمنظمة الدول التركية من أذربيجان. ويعيد هذا التطور إلى الواجهة رسالة الرئيس التركي الراحل تورغوت أوزال في عيد النصر عام 1991، حين رسم تصوراً لدور تركيا في آسيا الوسطى والقوقاز، بدأ يتحول تدريجياً إلى سياسات ومؤسسات وشراكات قائمة.
لم تقتصر خطوات أوزال على كازاخستان وأذربيجان وأوزبكستان، بل شملت أيضاً قرغيزستان، وأسست لعلاقات سياسية واقتصادية وثقافية تواصلت على مدى العقود التالية. وخلال 35 عاماً، شهد العالم التركي تطورات سياسية واقتصادية وفكرية عُدّت تأكيداً لصواب الرؤية التي تبناها الرئيس التركي الثامن.
تحركات بدأت قبل استقلال الجمهوريات
قرأ أوزال مبكراً تداعيات بدء تفكك الاتحاد السوفييتي، واتخذ خطوات اعتُبرت جريئة في وقت لم تكن فيه جمهوريات آسيا الوسطى والقوقاز قد نالت استقلالها بعد. وكان قد قال في مقابلة خاصة أجراها معه يالتشين أوزر ونشرتها صحيفة «تركيا» في 10 سبتمبر/أيلول 1991: «لقد أُنجزت خلال السنوات العشر الأخيرة أمور كثيرة، وسيحتاج الحكم الجديد إلى ثلاث سنوات حتى يتعلمها».
وجمع أوزال، وفق هذا التصور، بين الواقعية السياسية والتحرك التقدمي، وهو ما ظهر بوضوح في رسالته بمناسبة عيد النصر عام 1991، قبل أن تتضح دلالاتها كاملة في السياسة الداخلية والخارجية بعد سنوات.
في 15 مارس/آذار 1991، زار أوزال كازاخستان في محطة وُصفت بأنها مفصلية في تاريخ الدبلوماسية والقانون الدولي، رغم أن البلاد لم تكن قد أعلنت استقلالها بعد. وحاولت وزارة الخارجية السوفييتية عرقلة الزيارة، قائلة إن من غير المسموح إبرام مثل هذا الاتفاق.
لكن وزير الخارجية الكازاخستاني في ذلك الوقت استند إلى المادة 14 من «إعلان سيادة الدولة» لجمهورية كازاخستان السوفييتية الاشتراكية، مؤكداً أن الجمهورية تملك حق إقامة العلاقات الخارجية. وأتاح هذا الغطاء القانوني توقيع اتفاق التعاون، لتصبح تركيا أول طرف دولي تتعامل معه كازاخستان ضمن النظام الدولي الناشئ.
وتعزز المسار خلال الزيارة المتبادلة في سبتمبر/أيلول 1991، عندما نصت مذكرة تفاهم على توريد الغاز الطبيعي من كازاخستان إلى تركيا، وإنشاء مجلس أعمال مشترك، بما وضع ركائز اقتصادية وطاقوية للتكامل بين البلدين.
أذربيجان و«أمة واحدة ودولتان»
أرسى المسار الذي بدأ مع كازاخستان أرضية سياسية وقانونية للعلاقة الأعمق التي بنتها تركيا مع أذربيجان، في إطار مفهوم «أمة واحدة ودولتان». فقد قدم أوزال هذه العلاقة باعتبارها امتداداً حديثاً للروابط التاريخية بين الشعبين.
وفي 9 نوفمبر/تشرين الثاني 1991، أصبحت تركيا أول دولة تعترف باستقلال أذربيجان، في خطوة عززت شرعية باكو الدولية وفتحت لتركيا ممراً استراتيجياً عبر القوقاز نحو آسيا الوسطى. كما أسفرت المفاوضات التي أُجريت مع الرئيس الأذربيجاني الراحل أبو الفضل إلجي بيك في 5 نوفمبر/تشرين الثاني 1992 عن وضع البذور الأولى لمشروع خط أنابيب باكو ـ تبليسي ـ جيهان.
وأمام احتلال كلبجار وناغورنو كاراباخ، لم يكتف أوزال بالمذكرات الدبلوماسية الهادئة، بل استخدم لغة ردع صريحة. ونُقلت عنه عبارتا: «يجب إخافة الأرمن قليلاً»، و«ماذا سيحدث إذا سقطت بضع رصاصات على الجانب الآخر من الحدود أثناء إجراء مناورة عند الحدود الأرمنية؟».
وعكست هذه التصريحات استعداد تركيا لطرح قدراتها العسكرية أداةً في مواجهة تغيير الوضع الإقليمي القائم. ويرى الطرح الذي يستعرضه التقرير أن موقف أوزال في ذلك الوقت شكّل خطوة أولى بعيدة المدى نحو الانتصار اللاحق في كاراباخ بدعم الطائرات المسيّرة التركية.
أوزبكستان وقمة أنقرة
اتخذت حكومة أوزال موقفاً سريعاً تجاه أوزبكستان، فأصبحت تركيا أول دولة تعترف باستقلالها، رغم التوقعات بردود الفعل، ثم عززت العلاقات عبر الزيارات المتبادلة. وقال أول رئيس لأوزبكستان، إسلام كريموف، لاحقاً إن تركيا كانت أول من مد يده إلى بلاده بعد الاستقلال، وقدمت لها الدعم المادي والمعنوي والسياسي، وحمتها وساندتها.
وأضاف كريموف أن الشعب الأوزبكي لن ينسى هذا الدعم حتى بعد مرور السنوات والقرون، مشيراً إلى أن بلاده كانت بحاجة إلى المساعدة وهي تنهض من جديد، وتنتقل إلى اقتصاد السوق، وتبني مؤسسات دولتها، وأنها تستقبل مساعدة تركيا بامتنان.
وشكلت قمة أنقرة عام 1992 بداية مرحلة «دبلوماسية القمم» في العالم التركي، باعتبارها محاولة لتحويل المجموعات المتفرقة ذات الجذور المشتركة إلى إرادة سياسية موحدة. وفي تلك المرحلة بدأ تنظيم المجال الجيوسياسي الممتد من البحر الأدرياتيكي إلى سور الصين العظيم.
واقترح أوزال خلال القمة تأسيس «سوق تركية مشتركة» و«بنك تركي للاستثمار»، لكن قادة الجمهوريات، باستثناء أذربيجان، تعاملوا مع المقترحين بحذر. وكان سبب التحفظ الخشية من أن تؤدي المشاريع الجديدة إلى المساس بالسيادة التي حصلت عليها تلك الدول حديثاً، خصوصاً أن تأثير روسيا ظل حاضراً في المنطقة بعد سنوات طويلة من الضغوط السوفييتية.
فإن رؤية أوزال كانت متقدمة على مستوى النضج الجيوسياسي السائد آنذاك؛ إذ كان قد حلل حدود ما تستطيع روسيا فعله وما لا تستطيع، واقترح مشروعاته على هذا الأساس. غير أن قابلية هذه الخطوات للتنفيذ لم تُدرك سريعاً، كما حدث مع مبادراته داخل الحياة السياسية التركية.
ورغم وفاة أوزال قبل اكتمال هذه المسيرة، قادت القمم والتحركات السياسية إلى تأسيس المنظمة الدولية للثقافة التركية «توركسوي» في 12 يوليو/تموز 1993. ووقع وزراء الثقافة في أذربيجان وكازاخستان وقرغيزستان وأوزبكستان وتركمانستان وتركيا اتفاق التأسيس في مدينة ألماتي الكازاخستانية، لتبدأ أعمال التعاون الثقافي بين الدول المشاركة.
كما أُطلق «مشروع الطالب الكبير»، الذي أتاح نقل عشرات الآلاف من الشباب إلى تركيا للدراسة، وبدأت قناة «تي آر تي أفراسيا» البث، فيما أُنشئت قنوات اتصال مباشرة عبر خطوط مؤسسة البريد والاتصالات التركية.
رسالة عيد النصر التي سبقت التحولات
كان أوزال قد عرض جوهر هذه الرؤية في رسالته بمناسبة عيد النصر في 30 أغسطس/آب 1991، قبل عامين من وفاته. ونشرت صحيفة «تركيا» النص الكامل للرسالة في عددها الصادر في 31 أغسطس/آب، وتضمنت تأكيده أن القرن الحادي والعشرين سيكون «قرن الأتراك»، وأن تركيا ستواصل، ما دامت تنعم بالسلام والاستقرار، أداء دور الضامن لاستقرار المنطقة والسلام العالمي.
وقال أوزال في الرسالة، بمناسبة الذكرى التاسعة والستين لعيد النصر، إن تركيا التي تسعى إلى مواكبة العصر ستحتل خلال السنوات الخمس إلى العشر المقبلة مكانة مميزة بين الدول المتقدمة بفضل عزيمة الشعب وتضحياته، مضيفاً أنه لا يوجد ما يمنعها من تحقيق ذلك.
كما أكد أن تركيا باتت أقوى وأكثر قدرة من أي وقت مضى على تحديد موقعها بإرادتها الخاصة وسط التشكيلات الجديدة في العالم، وختم رسالته بعبارة: «أعبر بثقة كبيرة عن أن القرن الحادي والعشرين سيكون قرن الأتراك».
وبعد مرور 35 عاماً على تلك الرسالة، توحي القمة الأخيرة في أنقرة وتسلم تركيا رئاسة منظمة الدول التركية من أذربيجان بأن عدداً من التصورات التي طرحها أوزال في بداية تسعينيات القرن الماضي انتقل من مستوى الرؤية السياسية إلى مؤسسات وعلاقات وشراكات عملية.
المصدر: Türkiye Gazetesi




