تجري النيابة العامة في إسطنبول تحقيقًا واسعًا في شبهات التلاعب بمناقصات بلدية إسنيورت، الخاضعة لإدارة وصاية، وطلب رشى تعادل نحو 20% من مستحقات الشركات المنفذة. وأظهرت إفادات ثلاثة شهود سريين وتسجيلات صوتية وتقارير هيئة التحقيق في الجرائم المالية التركية (ماساک) حركة أموال مشبوهة، فيما صدرت قرارات باحتجاز 19 شخصًا على ذمة التحقيق.
ويتركز التحقيق على يوسف أولوتاش، الذي قفز حجم حركة الأموال في حساباته إلى 231 مليونًا و26 ألف ليرة خلال عام 2025، وفق تقرير ماساك. وخلال تفتيش منزله في 7 أكتوبر، ضُبطت مبالغ كبيرة بالدولار واليورو والليرة، إلى جانب مجوهرات ذهبية وساعات، بينها ساعتان من علامة رولكس، وثلاثة أسلحة، أحدها غير مرخص.
مناقصات محددة ونسبة ثابتة من المستحقات
ويبحث مكتب تحقيق الجرائم المنظمة التابع للنيابة، بالتنسيق مع فرع مكافحة الجرائم المالية في شرطة إسطنبول، في ادعاءات جرى بموجبها توجيه بعض مناقصات بلدية إسنيورت إلى شركات بعينها، ثم مطالبة أصحاب الشركات الفائزة بدفع مبالغ تعادل في المتوسط 20% من مستحقاتهم لدى البلدية.
واستند التحقيق إلى إفادات ثلاثة شهود سريين، أفادت مصادر الملف بأن شهاداتهم جاءت متقاربة، كما قدم الشهود تسجيلات صوتية قالوا إنها تدعم ادعاءاتهم. ويتعلق أحد التسجيلات بمالك شركة «توبراك أوز»، إرْهان توبراك، الذي قيل إنه سلّم 3 ملايين ليرة إلى ابن شقيق صالح يلماز، المسؤول في شركة «إيه إس إم للإنشاءات»، داخل محل حلويات في منطقة سييرانتبه بإسنيورت، بهدف الحصول على مستحقات شركته. ووفق المعطيات الواردة في الملف، دُفعت المستحقات بعد تسليم المبلغ.
ويتضمن تسجيل آخر، بحسب التحقيق، إفادات تفيد بأن إرْهان توبراك دفع أموالًا إلى يوسف أولوتاش عبر صالح يلماز، مالك شركة «إيه إس إم». وتتعامل النيابة مع هذه الوقائع باعتبارها ادعاءات قيد الفحص، لا أحكامًا قضائية نهائية.
سحوبات نقدية بعد صرف المستحقات
تركز جانب مالي وتقني آخر من التحقيق على شركة «نامق تشيبي للإنشاءات». فقد خلصت مراجعة حساباتها، وفقًا للنيابة، إلى سحب مبالغ نقدية في اليوم نفسه أو في اليوم التالي لصرف مستحقات من البلدية، وبقيمة تقارب 20% من تلك المستحقات.
ومن الأمثلة التي أوردها الملف سحب نحو مليونين و100 ألف ليرة بعد صرف مستحقات بقيمة 10 ملايين ليرة، وسحب نحو مليون و125 ألف ليرة بعد صرف 5 ملايين ليرة. وأظهرت نتائج الفحص تكرار الأسلوب نفسه في نحو 15 دفعة منفصلة من دفعات المستحقات.
كما أظهرت سجلات الاتصالات وتحليل محطات تغطية الهواتف المحمولة (HTS والباز)، وفق التحقيق، أن نامق تشيبي وموظفي الشركة دوغانجان غوزال، وجمال الدين تشاغلايان، وهارون برْبر، الذين سحبوا الأموال من حسابات الشركة، ظهروا في مناطق التغطية نفسها بعد وقت قصير من عمليات السحب مع إبراهيم دوغانجي أوغلو وأنيل ألي أوغلو. ويُشتبه في أن الأخيرين استُخدما وسيطين لتسليم أموال الرشى إلى يوسف أولوتاش.
وبعد ذلك، رُصد ظهور دوغانجي أوغلو وألي أوغلو في مناطق التغطية نفسها مع أولوتاش في اليوم ذاته أو خلال أيام قليلة. وبذلك انعكس في ملف التحقيق مسار مالي مشتبه به يبدأ بصرف المستحقات، ثم سحب الأموال نقدًا، ثم الوجود في مناطق الوسطاء، وصولًا إلى تطابق مواقع الهواتف مع أولوتاش.
وأُدخلت حتى الآن سبعة تسجيلات صوتية إلى الملف بموجب المراقبة التقنية المنفذة استنادًا إلى المادة 135 من قانون أصول المحاكمات الجزائية التركي. وفي محادثة بين نامق تشيبي وإركان تشيبي، تحدث الأخير عن مناقصة موقف سيارات في بلدية باغجلار، وقال إن «الفريق متين»، قبل أن يسأل عما إذا كان نامق سيشارك في المناقصة.
ورد نامق تشيبي، بحسب ما نُسب إليه في التسجيل، بأنه لا يريد الدخول مجددًا في أعمال البلديات، وأنه سمع أن الوضع في إسنيورت «متين» أيضًا، لكنه قال إنه «تورط هنا».
وفي محادثة أخرى، تحدث أوميت أونال، أحد نواب رئيس بلدية إسنيورت السابقين، مع تورغاي إيرنجه عن مناقصة إسفلت فازت بها شركة لم تنفذ الأعمال في الميدان بالشكل المطلوب، ولذلك لم يعتمد أونال التسليم المؤقت للمشروع. ونقلت التحقيقات عن أونال وصفه العلاقة بين الشركة ويوسف أولوتاش بالقول إن «الشركة كانت تغذي يوسف أولوتاش».
أما التسجيل الذي وصفه التحقيق بأنه من أبرز التسجيلات، فجاء في محادثة بين أوميت أونال وبكير تشليك. وعندما قال تشليك إن لديه عملًا في إسنيورت وسأل «من هو المفتاح» داخل البلدية، أجابه أونال، وفق التسجيل: «مفتاح البلدية هو يوسف أولوتاش، وهو أيضًا مفتاح جان، والمال يدور عند يوسف».
قفزة في حركة الأموال خلال 2025
أظهر تقرير ماساك ارتفاعًا حادًا في حجم التحويلات المالية المرتبطة بحسابات يوسف أولوتاش، ولا سيما خلال عام 2025. فقد بلغ حجم معاملاته المالية نحو 601 ألف ليرة في عام 2017، وحوالي مليون ليرة في 2018، بينما استقر المتوسط السنوي بين عامي 2019 و2021 عند نحو 400 ألف ليرة.
ثم ارتفع حجم الحركة المالية إلى نحو 10 ملايين ليرة في 2022، و8.5 ملايين في 2023، و10.6 ملايين في 2024، قبل أن يقفز إلى 231 مليونًا و26 ألف ليرة خلال عام 2025.
وحدد تقرير ماساك العلاقة المالية الأكبر لأولوتاش مع شقيقته توبا أولوتاش شنيوريك. ووفق التقرير، أودع أولوتاش في حساب شقيقته، نقدًا أو عبر تحويلات مالية، ما مجموعه 323 مليونًا و43 ألف ليرة، بينما سحبت شنيوريك نقدًا 396 مليونًا و599 ألف ليرة خلال الفترة الممتدة من 2024 إلى 2026. ومن هذا المبلغ، سُحب 395 مليونًا و784 ألف ليرة في عام 2025 وحده.
وأشار التقرير إلى أن توبا أولوتاش شنيوريك تعمل لدى الخطوط الجوية التركية، وأن دخلها لا يتناسب، بحسب تقييم ماساك، مع حجم حركة الأموال المسجلة في حساباتها.
فحصت السلطات أيضًا العلاقة بين مستحقات البلدية والتحويلات المرتبطة بأولوتاش. وذكر تقرير ماساك أن إجمالي مستحقات الشركات التي يُزعم أن أولوتاش طلب منها رشى بلغ 248 مليونًا و56 ألفًا و808 ليرات، في حين بلغ مجموع التحويلات التي أجراها إلى حساب شقيقته 212 مليونًا و155 ألفًا و533 ليرة.
ولفت التقرير إلى وجود تقارب بين قيمة المستحقات التي شملتها ادعاءات الرشى والمبالغ المحولة إلى حساب توبا أولوتاش شنيوريك، وهو ما أُدرج ضمن مؤشرات حركة الأموال التي تواصل النيابة تحليلها.
مضبوطات التفتيش
أسفر تفتيش منزل يوسف أولوتاش عن ضبط 450 ألفًا و854 دولارًا، و31 ألفًا و815 يورو، ومليونين و580 ألف ليرة نقدًا، إضافة إلى 35 سوارًا، و36 عقدًا، و42 قرطًا، و17 خاتمًا، وتسعة أساور إضافية، وأربع ساعات، من بينها ساعتان من علامة رولكس، إلى جانب قطع ذهبية ومجوهرات أخرى. كما صادرت السلطات ثلاثة أسلحة، أحدها غير مرخص.
وتقول النيابة إن الملف يُفحص من زوايا متعددة، بالجمع بين إفادات الشهود السريين والتسجيلات الصوتية ومحاضر المراقبة التقنية وتحليلات سجلات الاتصالات ومحطات التغطية، إلى جانب البيانات المالية التي أعدتها ماساك. ولا يزال التحقيق مستمرًا لتحديد الأدوار والمسؤوليات المتعلقة بادعاءات التلاعب بالمناقصات وطلب الرشى.
ويكتسب التحقيق أهمية إضافية لكونه يطال موظفين عموميين في بلدية تُدار بواسطة وصي، وليس فقط مسؤولين في بلديات منتخبة؛ إذ تخضع شبهات المخالفات للفحص القضائي، وفق مسار التحقيق، بغض النظر عن كون الإدارة البلدية منتخبة أو معينة.
المصدر: Türkiye Gazetesi