ترامب يستبدل «الذكاء الاصطناعي» بـ«الذكاء الفائق».. لماذا قد يربك القطاع؟

يسعى الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى فرض اسم جديد على الذكاء الاصطناعي، مطالبًا باستخدام تعبير «الذكاء الفائق» بدلًا من «الذكاء الاصطناعي»، بل واصفًا من يرفضون التغيير بأنهم «الأعداء». وبينما سارع عدد من كبار المسؤولين التنفيذيين في قطاع التكنولوجيا إلى تبني المصطلح، قد يؤدي القرار إلى زيادة الالتباس بدلًا من تهدئة مخاوف الأميركيين من هذه التقنية.
وأعلن ترامب خلال خطاب مرتجل أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة الشهر الماضي أن كلمة «اصطناعي» تجعل الذكاء يبدو زائفًا، متعهدًا بإعادة تسمية التقنية إلى «الذكاء الفائق». ثم أصدر الأسبوع الماضي أمرًا تنفيذيًا يمنع استخدام اختصار «AI» كلما كان ذلك ممكنًا، في إطار محاولة لإعادة صياغة اللغة الرسمية والصناعية المرتبطة بالتقنية.
إعادة تسمية المؤسسات والجرائم
بدأت آثار القرار بالظهور سريعًا. فقد تغير اسم «مركز معايير وابتكار الذكاء الاصطناعي» في الولايات المتحدة، المعروف اختصارًا بـCAISI، وهو الاسم الذي كان قد حل أصلًا محل «معهد سلامة الذكاء الاصطناعي»، إلى «مركز تطوير الابتكار والمعايير للذكاء الفائق» أوCAISSI.
كما عدّلت وزارة العدل الأميركية بياناتها الصحفية لتستخدم المصطلح الجديد. وفي إحدى الصياغات، وُصف رجل ضخّ أغنيات مولدة بالذكاء الاصطناعي إلى منصات البث بين عامي 2017 و2024 بأنه ارتكب «احتيال بث موسيقي بمساعدة الذكاء الفائق»، بدلًا من التعبير المعتاد المرتبط بالذكاء الاصطناعي.
وفي منشور صدر الخميس، قال ترامب إن البيت الأبيض يعتبر أي شخص يستخدم تعبير «الذكاء الاصطناعي» بدلًا من المصطلح الجديد «الذكاء الفائق»، الذي وصفه بأنه أكثر قبولًا ودقة، «عدوًا».
حلفاء التكنولوجيا ينضمون إلى الحملة
ترامب، المعروف باستخدام الألقاب كسلاح سياسي، حاول تطبيق الأسلوب نفسه على التقنية. فقد بنى حملته الرئاسية الأولى على أوصاف مثل «ماركو الصغير» و«هيلاري المحتالة»، كما نقل عبارة «الأخبار الكاذبة» من وصف وسائل إعلام احتيالية إلى تعبير ازدرائي يُستخدم ضد الصحافة على نطاق أوسع.
وخلال الأسابيع الأخيرة، بدأ الرئيس الأميركي في تقديم كلمة «فائق» باعتبارها وصفًا إيجابيًا للتقنية التي يريد تسريع تطويرها، فيما حوّل كلمة «اصطناعي» إلى وصف سلبي جديد. وقد وجد هذا المسعى تجاوبًا سريعًا من بعض أبرز شخصيات قطاع التكنولوجيا، وبينهم أشخاص تبرعوا بملايين الدولارات لحملة ترامب بعد فوزه بالانتخابات.
إيلون ماسك، الذي يصفه ترامب بأنه «الصديق الأول»، وعد بتغيير اسم SpaceXAI إلى SpaceXSI. وقال جيف بيزوس إنه يحب المصطلح الجديد لأن كلمة «اصطناعي» ليست وصفًا flattering، أو «مجامِلًا» بما يكفي. كما تبنى جينسن هوانغ، الذي اتصل به ترامب مباشرة على خشبة المسرح الشهر الماضي وشن خلال المكالمة حديثًا عن أن «الروبوتات لن تستولي على العالم»، التسمية الجديدة.
أما سام ألتمان فأشاد بدوره بتعبير «الذكاء الفائق»، لكنه أوضح أن شركة OpenAI لن تغير اسمها.
لا يقتصر الخلاف على اختيار كلمة بديلة، إذ يحاول ترامب دفع صناعة كاملة إلى إعادة كتابة مصطلحاتها في وقت تتزايد فيه الأسئلة حول مستقبل التقنية وحدودها.
مصطلح قديم بمعنى مختلف
المفارقة أن «الذكاء الفائق» ليس مصطلحًا ابتكره ترامب. فالكلمة الواحدة «Superintelligence» مستخدمة منذ سنوات، واشتهرت خصوصًا بعد كتاب للفيلسوف نِك بوستروم صدر عام 2014. لكنها تشير عادة إلى ذكاء اصطناعي متقدم للغاية قد يتجاوز القدرات الفكرية البشرية، ولا تُستخدم بوصفها اسمًا شاملًا لكل تطبيقات الذكاء الاصطناعي الحالية.
ويُعد المصطلح واحدًا من مجموعة تعبيرات تحاول وصف المرحلة التالية من تطور التقنية، إلى جانب «الذكاء الاصطناعي العام» و«الذكاء العام المفيد». لذلك فإن استخدامه للإشارة إلى كل شيء، من آلة مستقبلية قد تتجاوز الإنسان إلى أدوات توليد الأغاني الموجودة منذ سنوات، يفرغه من معناه المتخصص ويجعل الخطاب التقني أكثر غموضًا.
وقد تستفيد شركات مثل Meta وMicrosoft، اللتان ربطتا جزءًا من خطابيهما بتطوير الذكاء الفائق، من انتشار الاسم الجديد. كما أن بعض العاملين في القطاع قد يرغبون في تغيير الصورة العامة للتقنية مع تحول الرأي العام ضد الذكاء الاصطناعي. لكن فرض استخدام «الذكاء الفائق» على كل المنتجات يحد أيضًا من قدرة الشركات على تسويق منتجات جديدة باعتبارها «فائقة الذكاء»، لأن الاسم سيُطلق في الوقت نفسه على تقنيات قديمة وأدوات بسيطة.
ترامب يوسع استخدام «اصطناعي» كإهانة
في المقابل، بدأت كلمة «اصطناعي» تتسلل إلى خطاب ترامب بوصفها نعتًا سلبيًا، على غرار استخدامه السابق لكلمتي «خدعة» و«زائف». فقد أعلن مؤخرًا أن وصف «وسائل الإعلام الإخبارية الكاذبة» سيُستبدل بتعبير «الإعلام الاصطناعي».
وخلال تجمع انتخابي في 5 أكتوبر، وقبل أن يتحدث عن إمكانية أن تتمكن إيران من «القضاء على» لوس أنجلوس وسان دييغو، قال ترامب إن المخاوف من أن تؤدي الحرب إلى ارتفاع الأسعار ليست سوى أمر «اصطناعي».
ويأتي هذا التحرك في وقت يضغط فيه ترامب باتجاه تسريع تطوير الذكاء الاصطناعي، معتبرًا أن مخاطر السلامة المرتبطة به مبالغ فيها، وأن الشركات الأميركية مطالبة بزيادة سرعة التطوير. ويشمل ذلك بناء مزيد من مراكز البيانات، وهي خطوة يصر ترامب، خلافًا لما تظهره استطلاعات الرأي، على أنها ستكون «شعبية جدًا».
كما عارض اعتماد القطاع على التنظيم الذاتي، ودفع بدلًا من ذلك نحو إعادة تسمية التقنية بقرار سياسي. غير أن تغيير الاسم لا يعالج الاعتراضات العملية التي يطرحها الأميركيون، وخصوصًا ما يتعلق بمراكز البيانات وتوسع الصناعة.
عقبة قانونية وسياسية
لن يكون بوسع ترامب إلزام جميع مؤسسات الدولة باستخدام المصطلح الجديد. فالرئيس لا يستطيع منع الكونغرس من استعمال عبارة «الذكاء الاصطناعي»، وهي موجودة أصلًا في قوانين سارية، من بينها قانون «Take It Down Act» الذي وقعه ترامب. وستحتاج وكالات الإدارة إلى الاستناد إلى هذه القوانين عند عرض القضايا أمام المحاكم، حتى لو فضّل البيت الأبيض تسمية مختلفة.
ومع تنامي الدعوات إلى تنظيم الذكاء الاصطناعي، سيضطر الجمهوريون في الكونغرس إلى الاختيار بين مجاراة ترامب وتبني اسم يراه كثيرون غير واضح، وبين الالتزام بالمصطلح الراسخ في القوانين والنقاش العام. ويحمل اسم «الذكاء الفائق» أيضًا عبء ارتباطه بموقف ترامب المؤيد لتوسيع الصناعة والمعارض لمزيد من التنظيم.
ويزيد المشهد تعقيدًا أن شخصيات مؤيدة للتنظيم تستخدم المصطلح القديم «الذكاء الفائق» بمعناه المتخصص. ففي أوائل سبتمبر، شارك السيناتور المستقل بيرني ساندرز في رعاية مشروع قانون يحمل اسم «قانون حظر الذكاء الاصطناعي الفائق»، وكان المقصود به حظر الأنظمة القوية المتقدمة، لا إعادة تسمية كل تطبيقات الذكاء الاصطناعي.
ويميل ترامب عادة إلى الأسماء والشعارات التي تنجح عندما تكون قصيرة أو ساخرة وسهلة التذكر، لكن «الذكاء الفائق» يبدو أقرب إلى تعبير ملطف منه إلى اسم جماهيري واضح. ومع استمرار مخاوف الأميركيين الملموسة من الصناعة، فإن الإصرار على وصف التقنية بأنها «فائقة» لا يبدد تلك المخاوف، وقد يجعل الرئيس والقطاع يبدوان وكأنهما يحاولان فرض لغة جديدة بدل معالجة أسباب الاعتراض.
المصدر: theverge
https://x.com/JensenHuang/status/2105348324484342238




