تركيا تتولى رئاسة منظمة الدول التركية.. وأمينها العام يدعو إلى «صوت أمني واحد»

اختتمت القمة الثالثة عشرة لمنظمة الدول التركية في أنقرة أعمالها باعتماد «بيان أنقرة» المؤلف من 163 بندًا وانتقال الرئاسة الدورية إلى تركيا، وسط توجه لتوسيع التعاون من الاقتصاد والنقل إلى الدفاع والتكنولوجيا. وقال الأمين العام الجديد للمنظمة، ميرفوخيد عظيموف، إن الحجم الاقتصادي الإجمالي للدول التركية قد يقترب من 2.5 تريليون دولار، داعيًا إلى تبني مواقف مشتركة في القضايا الأمنية الدولية.
واستضاف الرئيس التركي رجب طيب أردوغان القمة، التي عُقدت تحت شعار «العصر التركي: وحدة في اللغة والفكر والعمل». وانتهت الاجتماعات، في يومها الثاني وبمشاركة القادة، بتوقيع بيان أنقرة.
وتضمن البيان بحث إمكانية إنشاء كلية للصناعات الدفاعية التابعة للمنظمة باستضافة تركيا، وتعزيز «الممر الأوسط» الذي يربط آسيا بأوروبا عبر بحر قزوين وتركيا، وزيادة التكامل الرقمي، وتوسيع استخدام الأبجدية التركية المشتركة. كما ناقشت القمة مقترح الرئيس الكازاخي قاسم جومارت توكاييف بشأن إقامة علاقات بين روسيا والمنظمة، فيما تقرر عقد قمة القادة المقبلة عام 2027 في أوزبكستان.
دعوة إلى صوت أمني موحد
وقال عظيموف، الذي شغل سابقًا منصبي نائب الأمين العام للمنظمة ونائب وزير الخارجية الأوزبكي، إن الحوار والتنسيق السياسيين يمثلان أولوية في ظل التحولات الجيوسياسية المتسارعة. وأضاف أن حالة عدم اليقين الناتجة عن التطورات العالمية تتطلب من الدول التركية التحرك معًا وتقاسم المسؤولية.
وأكد أن إعادة تشكيل بنية الأمن العالمية تستدعي أن تكون دول المنظمة «في الصفوف الأمامية»، عبر مواءمة سياساتها ومواقفها بصورة مستمرة، وصولًا إلى التحرك بصوت واحد عند الحاجة. ورأى أن توحيد القدرات والمواقف سيعزز حضور العالم التركي على الساحة الدولية.
وتطرق الأمين العام الجديد إلى صيغة «منظمة الدول التركية بلاس»، التي تتيح التعاون مع دول أخرى، مشددًا على ضرورة أن تبقى المنظمة منفتحة وبراغماتية ومستعدة للحوار. ودعا، عند التعاون مع الدول الثالثة، إلى التركيز على مشروعات ملموسة قابلة للتنفيذ، وإطلاق الشراكات على مستوى القطاعات والجهات المعنية، بدل الاكتفاء بقرارات تصدر من القمة إلى القاعدة.
اعتبر عظيموف أن تحرك الدول التركية بصورة منسقة أمام التطورات العالمية سيكون من أهم المهام الاستراتيجية للمنظمة خلال المرحلة المقبلة.
اقتصادات تقترب من 2.5 تريليون دولار
وأوضح عظيموف أن الحجم الاقتصادي الإجمالي للدول التركية كان يبلغ نحو 1.1 تريليون دولار قبل خمسة أو ستة أعوام، قبل أن يرتفع إلى 2.2 تريليون دولار. وأضاف أن الرقم قد يصل إلى ما بين 2.4 و2.5 تريليون دولار بحلول نهاية العام، وهو ما يعكس، بحسب تقديره، سرعة النمو الاقتصادي في المنطقة.
وقال إن العلاقات الاقتصادية بين الدول الأعضاء تتوسع عامًا بعد عام، وإن المنظمة تتجه إلى التحول إلى منصة إنتاج اقتصادي قوية. وضرب قطاع السياحة مثالًا على الإمكانات المتاحة، مشيرًا إلى أن نحو 100 مليون سائح من مختلف دول العالم زاروا الدول التركية خلال عام 2025.
ويرى عظيموف أن التحدي لا يقتصر على جذب السياح من خارج المنطقة، بل يشمل تسهيل السفر المتبادل بين الدول الأعضاء. ويتطلب ذلك، وفقًا له، تحسين ظروف الرحلات الجوية والخدمات اللوجستية والنقل ونقل الركاب، إلى جانب اتخاذ خطوات متكاملة بين هذه القطاعات.
واستشهد بالخط الجوي بين تركيا وأوزبكستان، موضحًا أن عدد الرحلات الأسبوعية ارتفع حاليًا إلى ما بين 250 و260 رحلة، بعدما كان أقل من 100 رحلة أسبوعيًا قبل خمسة أو ستة أعوام. وقال إن هذا التوسع يعكس بدء تحول المنطقة إلى مركز للنمو الاقتصادي والازدهار.
الرئاسة التركية وملفات الممر الأوسط
وقالت دريا سويسال، كبيرة مراسلي EUREFLECT والمتخصصة في شؤون آسيا الوسطى والقوقاز، إن انتقال الرئاسة الدورية إلى تركيا يفتح الباب أمام زيادة التعاون العملي بين الدول الأعضاء. ووصفت وجود ممثلي الدول التركية في أنقرة بالتزامن مع احتفالات 29 أكتوبر بأنه «عيد مزدوج»، معتبرة أن توقيت انتقال الرئاسة بعد هذه المناسبة يحمل رسالة ذات معنى.
وأشارت سويسال، التي تركز في عملها على تركمانستان وتحمل صفة سفيرة السياحة الكازاخية وصحفية معتمدة لدى وزارة الخارجية التركمانية، إلى أن الرئيس أردوغان شدد على أهمية تركمانستان، ولا سيما الرئيس سردار بردي محمدوف والجهود التي يقودها. وتوقعت أن تشهد المرحلة المقبلة اجتماعات ثنائية إلى جانب العمل على مستوى المنظمة، بما يعزز العلاقات والاتفاقات بين الدول الأعضاء.
وأضافت أن التعاون المنتظر قد يمتد من النقل إلى البيئة، وأن تولي تركيا الرئاسة الدورية يمكن أن يرفع مستوى القمم الدبلوماسية للمنظمة ويزيد حضورها الدولي. كما رأت أن الروابط بين الدول التركية وأوروبا ستكتسب أهمية أكبر عبر «الممر الأوسط»، الذي يصل أوروبا بآسيا الوسطى.
وقالت إن ميناء باكو يمثل إحدى النقاط المهمة التي تربط دول آسيا الوسطى ببعضها، قبل امتداد الطريق عبر باكو وتبليسي إلى تركيا. وبحسب سويسال، فإن زيادة التعاون المباشر بين العالم التركي والاتحاد الأوروبي، أو تطوير الشراكة بين المنظمتين، يمكن أن يحقق مكاسب للطرفين.
دفاع وطاقة وتقنية وفضاء
بدوره، توقع أستاذ العلوم السياسية الدكتور محمد بوزقوش أن تستغل تركيا رئاستها الدورية، التي تستمر عامًا، لتسريع بناء القدرات المؤسسية لمنظمة الدول التركية، وتوسيع التجارة، وتطوير الإجراءات الجمركية، وطرح برامج جديدة في التعليم والصحة، إلى جانب التعاون الدبلوماسي.
وقال إن المرحلة المقبلة قد تشهد مشروعات استراتيجية في الأمن والطاقة والتوظيف، من بينها تدريبات عسكرية مشتركة، واستثمارات مرتبطة بجغرافيا الطاقة في بحر قزوين، وإعداد خرائط طريق لإيصال مصادر الطاقة إلى الأسواق العالمية. كما توقع تطوير مشروعات تمتد من السياسة والاقتصاد إلى سوق العمل، مع زيادة الاستثمارات الموجهة إلى الشباب ورفع حضورهم وقدراتهم داخل المنظمة.
وفي مجال الصناعات الدفاعية، رأى بوزقوش أن تركيا، بوصفها واحدة من أكبر 20 اقتصادًا في العالم ومن بين الدول العشر الأولى في الصناعات الدفاعية، تملك خبرة تقنية وقدرات عملياتية يمكن توظيفها في التدريبات والمشروعات المشتركة. وأضاف أن تركيا تُعد، في تقديره، من بين الدول الثلاث الأولى عالميًا في تقنيات الحرب الجديدة، وأن خبرة القوات المسلحة التركية ستظهر «في الميدان وعلى طاولة المفاوضات» وفي التدريبات المشتركة بين دول المنظمة.
ولفت إلى أن التعاون الدفاعي لن يقتصر على رفع القدرات العسكرية، بل سيشمل التكنولوجيا والفضاء أيضًا، معتبرًا أن هذه الشراكات يمكن أن تعزز الردع وتؤسس لحضور أوسع في المجالات التقنية المرتبطة بمستقبل البشرية.
كما أشار إلى طرح مشروع «طريق الحرير الرقمي» خلال الاجتماع، موضحًا أنه قد يساعد على دمج بيانات العالم التركي ومصادر المعلومات والقدرات التقنية المستخدمة في مختلف مجالات الحياة ضمن بنية أكثر تكاملًا. وقال إن العالم يمر بمرحلة «جيوسياسية تقنية» تتزايد فيها أهمية حماية الأمن والبنية الرقمية، داعيًا المنظمة إلى تطوير أدوات تجعل التكنولوجيا عنصرًا من عناصر الردع، ومشيرًا إلى أن تركيا من الدول الرائدة في هذا المجال.
وإلى جانب الملفات السياسية والاقتصادية، برزت الجهود التنظيمية خلف القمة، إذ أعد طهاة الرئاسة التركية الوجبات والضيافة المخصصة للصحفيين المحليين والأجانب طوال انعقاد الاجتماعات، والتقطوا صورًا خاصة بعدسة صحيفة Türkiye Gazetesi.
المصدر: Türkiye Gazetesi




