لم يكن القبض على اللص الكندي جيرالد بلانشارد عام 2007 نهاية مسيرته الإجرامية، بل بداية صفقة غيّرت مصيره؛ فبعد مداهمة منزله ومواجهته احتمال السجن 168 عامًا، عرض على الشرطة كشف الثغرات المصرفية والأمنية التي استغلها، وإعادة الأموال المسروقة، وتسليم ألماسة تاريخية لا تقدر بثمن، مقابل تخفيف عقوبته إلى 8 أعوام.
لص يوثق جرائمه بالكاميرات
بدأ بلانشارد نشاطه الإجرامي في سن 15 عامًا، عندما كان يسرق بضائع من المتاجر ثم يعيدها إلى المتاجر نفسها باستخدام إيصالات مزورة، محققًا مئات آلاف الدولارات. وكان يوثق كل جريمة يرتكبها بالكاميرات التي يسرقها، حتى إنه صوّر المنزل الذي اشتراه لوالدته وتجول داخله كما لو كان يقدم مدونة مصورة.
وخلال فترة قصيرة، تحول إلى مجرم ينفذ سرقات بملايين الدولارات من دون اللجوء إلى العنف، مستفيدًا من بنيته النحيلة ونظارته ومظهره الذي لا يثير الشبهات.
في شبابه، أوقفته الشرطة على خلفية واقعة إحراق سيارة. وبينما كان ينتظر في غرفة الاستجواب، تسلق السقف المستعار واختبأ داخله، وظل لساعات يراقب أفراد الشرطة وهم يبحثون عنه في حالة ارتباك. وعندما خلا المركز ليلًا، نزل من مخبئه وسرق صورة عائلية من مكتب المحقق الذي استجوبه، ثم رسم وجهًا مبتسمًا على رصاصة كانت داخل أحد الأدراج قبل أن يفر.
ولم تتوقف الحيلة عند ذلك؛ إذ تمكن لاحقًا من سرقة سيارة للشرطة والهروب رغم أن يديه كانتا مكبلتين. وبعد أن قضى عقوبته، رُحّل إلى كندا، لكنه واصل تصعيد عملياته.
عملية بالمظلة داخل قصر شونبرون
استهدف بلانشارد في فيينا قصر شونبرون، حيث كانت تُعرض مشبكة ألماسية تاريخية لا تقدر بثمن تُعرف باسم «نجمة سيسي»، وتعود إلى الإمبراطورة النمساوية إليزابيث، المعروفة بلقب سيسي.
واستغل مكانة حموه المرموقة لترتيب جولة خاصة لكبار الشخصيات قبل افتتاح المعرض. وخلال شرح المرشد، أرخى مسامير واجهة العرض وترك قفل النافذة غير محكم. وفي مساء اليوم نفسه، قفز بالمظلة من طائرة خاصة إلى سطح القصر، ثم تسلل عبر النافذة باستخدام حبل.
تمكن اللص من أخذ الجوهرة الأصلية من دون تشغيل حساسات الوزن، ووضع مكانها نسخة مقلدة اشتراها من متجر للهدايا. وظلت السرقة مجهولة لأيام، وعندما اكتُشفت، لم يُعثر في حديقة القصر سوى على مظلة داخل سلة مهملات.
نهب أجهزة الصراف وبناء شبكة دولية
اتجه بلانشارد بعد ذلك إلى مبانٍ مصرفية لم تكن قد افتُتحت بعد. فكان يدخل مواقع البناء متخفيًا في هيئة عامل، ويدرس نماذج أقفال أجهزة الصراف الآلي، ثم يزرع كاميرات صغيرة لمراقبة ما يجري داخل البنك على مدار الساعة.
وقبل ليلة الافتتاح، كان يدخل من السطح ويفرغ أجهزة الصراف من مئات آلاف الدولارات خلال دقائق، من دون تشغيل أجهزة الإنذار. كما فتح عشرات الحسابات حول العالم باستخدام هويات مزورة، واستعان بطائرات خاصة وعاش حياة فاخرة، ما جعله هدفًا لعملية تعقب واسعة عُرفت باسم «عملية الطائرة الورقية».
وامتدت الشبكة التي بناها من عمليات بطاقات مزورة دولية في مصر إلى سرقات مصرفية في كندا، لتتحول إلى منظومة إجرامية واسعة تتجاوز حدود دولة واحدة.
المداهمة والصفقة مع الشرطة
انتهت المطاردة عام 2007، عندما نفذت قوات «سوات» مداهمة واسعة لمنزله. وعثرت في المكان على 10 منصات محملة بهويات مزورة، وممرات سرية، وأجهزة تنصت، إضافة إلى 120 تسجيلًا مصورًا لعمليات السطو التي نفذها بنفسه.
أدرك بلانشارد أنه يواجه، بموجب القوانين الكندية، احتمال السجن 168 عامًا، فقدم للشرطة عرضًا يصعب رفضه: كشف جميع الثغرات التي استغلها في البنوك وأنظمة الحماية، وإعادة الأموال التي سرقها، وتسليم جوهرة «نجمة سيسي» التي ظلت مفقودة لسنوات.
وكان بلانشارد قد أخفى الألماسة التاريخية الثمينة في قبو منزل جدته، ثم سلمها للشرطة. كما قدم لعناصر الأمن درسًا استمر 8 ساعات، شرح خلاله الأساليب والثغرات التي اعتمد عليها في عملياته.
في المقابل، خُفّض حكمه إلى 8 أعوام، وأُطلق سراحه بعد عدة سنوات. ويعمل بلانشارد حاليًا مستشارًا في مجال الأمن، بينما لا تزال قصته تُذكر باعتبارها واحدة من أغرب الصفحات في تاريخ الجرائم والتحقيقات البوليسية.
المصدر: Sözcü