يطوّر باحثون هياكل طائرة فائقة الخفة يمكنها البقاء معلّقة في الطبقات العليا من الغلاف الجوي من دون وقود أو محرك كهربائي، مستفيدة فقط من قوة تولّدها أشعة الشمس. وقد تفتح هذه التقنية طريقًا جديدًا لدراسة المنطقة الواقعة بين الارتفاعات التي تصل إليها الطائرات والمدارات التي تعمل فيها الأقمار الصناعية، ولا سيما الجزء العلوي من طبقة الميزوسفير على ارتفاع يتراوح تقريبًا بين 65 و85 كيلومترًا.
وتتميز هذه المنطقة بضغط جوي منخفض للغاية، ما يمنع الطائرات التقليدية من العمل فيها، كما لا تستطيع بالونات الأبحاث إنتاج قوة الرفع اللازمة للبقاء على هذا الارتفاع. لذلك ظلّت من أصعب أجزاء الغلاف الجوي وصولًا إلى الدراسة المباشرة، ووُصفت أحيانًا بصورة ساخرة بأنها «كرة المجهول» أو «إيغنوسفِير» (Ignorosphere).
قوة تدفعها أشعة الشمس
تعتمد الهياكل الجديدة على ظاهرة فيزيائية تُعرف باسم «الفوتوفوريسيس» أو الدفع الضوئي الحراري. ويتكوّن المصطلح من «فوتو» بمعنى الضوء و«فوريسيس» بمعنى النقل. وتنتج هذه الظاهرة عن اختلاف درجات الحرارة على جانبي جسم يتعرض للضوء، بما يغيّر حركة جزيئات الغاز المحيطة به ويولّد قوة صغيرة تدفع الجسم.
صُممت النماذج على مقياس السنتيمتر باستخدام مواد رقيقة وخفيفة للغاية، من بينها ألومينا خزفية وكروم. ويتكون الهيكل من غشائين رقيقين متراكبين مع ترك فجوة هوائية صغيرة بينهما، فيما تربطهما وصلات عمودية تحافظ على تماسك البنية.
وتحتوي الأغشية على عدد كبير من الثقوب الدقيقة التي تسمح بحركة الهواء داخل الهيكل، ما يساعد على زيادة القوة المتولدة. ولهذا السبب تُوصف الآلية أيضًا باسم «النتح الحراري». فالسطح العلوي يسمح بمرور معظم ضوء الشمس، بينما يمتص السطح السفلي الضوء، فيصبح أكثر سخونة من الجزء العلوي.
يؤدي هذا الفارق الحراري إلى تغيير حركة جزيئات الغاز باتجاه السطح الأكثر سخونة، وينتج عنه اختلاف طفيف في الضغط بين جانبي الهيكل. ورغم أن القوة الصاعدة الناتجة ضعيفة جدًا، فإن الوزن الاستثنائي لانخفاض كتلة الهيكل يمكن أن يجعلها كافية لإبقائه في الهواء.
اختبار عند ضغط لا يتجاوز 0.026% من ضغط سطح البحر
لا تصبح قوة الدفع الضوئي الحراري مؤثرة إلا عند ضغوط جوية منخفضة للغاية، لكن الباحثين تمكنوا باستخدام مواد خفيفة وتقنيات تصنيع جديدة من اختبار هياكل تستفيد منها. وفي التجارب المختبرية، اختُبر هيكل يبلغ عرضه نحو سنتيمتر واحد عند ضغط قدره 26.7 باسكال، أي ما يعادل 0.026% فقط من الضغط الجوي عند مستوى سطح البحر.
وأضاء الفريق الهيكل بليزر بلغت شدة ضوئه نحو 55% من شدة ضوء الشمس. وأظهرت النتائج أن التأثير الفوتوفوريتيكي بلغ في تلك الظروف مستوى يسمح بإبقاء الهيكل معلّقًا في الهواء.
كما حسب الباحثون أن قرصًا يبلغ قطره 6 سنتيمترات يمكنه حمل حمولة تصل إلى نحو 10 مليغرامات. وتكفي هذه القدرة، من حيث المبدأ، لتركيب خلية شمسية صغيرة ونظام اتصالات ينقل البيانات التي تجمعها دوائر إلكترونية مدمجة.
وبحسب عمليات المحاكاة، يمكن لمركبة من هذا النوع أن تبقى في الجو خلال ساعات النهار، مع حمولتها، على ارتفاع يقارب 75 كيلومترًا.، لا تزال هذه النتائج في مرحلة إثبات المفهوم، ولا تعني وجود طائرة جاهزة للاستخدام اليومي.
فجوة بين الطائرات والأقمار الصناعية
تمتد طبقة الميزوسفير فوق الستراتوسفير، بدءًا من ارتفاع يقارب 50 كيلومترًا وصولًا إلى نحو 80 أو85 كيلومترًا، تعلوها طبقة الثرموسفير ثم الإكسوسفير. وتُعد الميزوسفير منطقة انتقالية في الغلاف الجوي؛ فالهواء فيها رقيق بدرجة لا تسمح لأجنحة الطائرات التقليدية بتوليد قوة رفع كافية، لكنه أكثر كثافة من أن يسمح للبالونات بالارتفاع بالطريقة المعتادة.
وتتباين درجات الحرارة فيها بحدة أيضًا. فبعد أن تكون قريبة من الصفر المئوي على ارتفاع نحو 50 كيلومترًا، تنخفض إلى قرابة 90 درجة مئوية تحت الصفر قرب الميزوبوز، وهي الحدود العليا للميزوسفير. كما تتفاعل معظم الأجسام السماوية الصغيرة الداخلة من الفضاء إلى الغلاف الجوي بكثافة في هذه المنطقة وتحترق فيها، وهو ما يفسر جانبًا مهمًا من ظاهرة الشهب التي تُرى في السماء.
وتعمل الطائرات في الارتفاعات الأدنى، بينما تتولى الصواريخ البحثية والأقمار الصناعية مهام الارتفاعات الأعلى. أما الميزوسفير فتقع بين المجالين، ما يترك فجوة كبيرة أمام الرصد المستمر وطويل الأمد. ويمكن للهياكل الفوتوفوريتيكية، إذا أمكن تطويرها وتوسيع نطاقها، أن توفر منصة بحثية جديدة تظل في هذه المنطقة لفترات أطول.
تطبيقات محتملة على الأرض والمريخ
تشمل الاستخدامات المحتملة لهذه المركبات دراسة المناخ والغلاف الجوي، ومراقبة الظواهر الجوية، ورصد الأرض، والقياس والتصوير بأطوال موجية خارج نطاق الضوء المرئي، إلى جانب الاتصالات ومتابعة الجسيمات الجوية وتركيب الغازات والمواد الكيميائية في الغلاف الجوي.
ولا يعتقد الباحثون أن تطبيق التقنية سيقتصر على الأرض. فالمبدأ نفسه قد يكون قابلًا للاستخدام على كواكب ذات أجواء رقيقة مثل المريخ. ويشترك الغلاف الجوي القريب من سطح المريخ مع الغلاف الجوي العلوي للأرض في بعض الخصائص؛ إذ يحتوي، رغم رقته، على جزيئات غاز، كما يصل ضوء الشمس إلى السطح. ولذلك يمكن في المستقبل بحث استخدام مركبات فوتوفوريتيكية لإجراء قياسات علمية داخل الغلاف الجوي للمريخ.
أسئلة لم تُحسم بعد
رغم أن التجارب أثبتت إمكانية عمل المبدأ، فإن تحويله إلى تقنية عملية يتطلب الإجابة عن أسئلة أساسية. في مقدمتها إمكانية توسيع التصنيع؛ إذ لم يتضح بعد ما إذا كان بالإمكان إنتاج هياكل أكبر بكثير من النماذج السنتيمترية، وربما بعرض يصل إلى أمتار. ومن شأن زيادة الحجم أن ترفع مقدار الحمولة التي تستطيع المركبات حملها.
كما يتعين تحديد المدة التي يمكن أن تبقى خلالها هذه المركبات في الجو، وكيف تتأثر كفاءتها بتغير شدة ضوء الشمس والظروف الجوية وتصميم الهيكل. ولا يزال الباحثون يدرسون كذلك ما إذا كانت المركبة ستبقى عند ارتفاع محدد فقط، أم ستتمكن من الصعود إلى ارتفاعات أعلى أو الهبوط إلى مستويات أدنى عند الحاجة.
وتعمل شركة Rarefied Technologies الناشئة على دفع هذه التطورات نحو تطبيقات تجارية. وإذا نجحت الجهود في معالجة تحديات الحجم والحمولة والتحكم والقدرة على البقاء، فقد تظهر فئة جديدة من المركبات القادرة على تنفيذ مهام طويلة في الفراغ الجوي الواقع بين الطائرات والأقمار الصناعية، من دون استهلاك وقود، وبالاعتماد على ضوء الشمس وحده.
المصدر: Sözcü