أنهت شركة لوفتهانزا تشغيل طائرات إيرباص A340-600، المعروفة باسم A346، برحلة وداع أقلعت الأحد من مطار واشنطن دالاس الدولي إلى مطار فرانكفورت. وتشتهر الطائرة بهيكلها البالغ طوله 75 مترًا وأربعة محركات، رغم استهلاكها وقودًا أكثر بكثير من منافساتها الأحدث.
كانت لوفتهانزا واحدة من ثلاث شركات طيران للركاب لا تزال تشغّل هذا الطراز. أما الشركتان الأخريان فتعمل إحداهما في إيران والأخرى في فنزويلا، ما يجعل احتمال سفر معظم الركاب على متن طائراتهما محدودًا. لذلك تحولت الرحلات الأخيرة لـA346 إلى مناسبة خاصة لعشاق الطيران؛ إذ امتلأت منصات التواصل بمنشورات الوداع، وسافر مصورون آلاف الكيلومترات لالتقاط صورها الأخيرة، فيما دفع بعض المعجبين آلاف الدولارات أو غيّروا خطط رحلاتهم العابرة للقارات للانضمام إلى إحدى رحلاتها الختامية.
رحلات أطول من أجل مقعد على متن A346
كان كونور يوسنس، وهو طالب يبلغ 31 عامًا في مجال صيانة الطائرات ويعيش في أورلاندو بولاية فلوريدا، من بين هؤلاء المعجبين. ويقول إن A346 كانت واحدة من طائراته المفضلة منذ أن كان في السابعة من عمره، لكنه لم يجد فرصًا كثيرة للسفر على متنها.
في يونيو/حزيران، وعندما اضطرت زوجته إلى السفر للعمل في فنلندا، اختار الزوجان مسارًا أطول بكثير من أقصر رحلة تستغرق نحو 14 ساعة من منزلهما في أورلاندو. سافرا أولًا إلى واشنطن، ثم استقلا طائرة A346 إلى فرانكفورت، ومنها تابعا الرحلة إلى هلسنكي. وعند وصولهما إلى فنلندا، كان قد مضى نحو 24 ساعة على بدء رحلتهما.
وصف يوسنس التجربة بأنها كانت رائعة ومريرة في الوقت نفسه، لأنها أتاحت له السفر بالطائرة للمرة الأولى والأخيرة. وقال إن رؤية طائرات مذهلة من هذا النوع وهي تُحال إلى التقاعد «تبعث على الأسى فعلًا».
ولم يكن شغف المعجبين مقتصرًا على الطائرة نفسها؛ إذ قالت شارمين دي كروز، المسؤولة عن العمليات الأرضية لمجموعة لوفتهانزا في مطار واشنطن دالاس، إن كثيرًا من الركاب كانوا يحرصون على رؤية دورات المياه الموجودة في الطابق السفلي. ويصل الركاب إليها عبر درج يقع بجوار قسم الشحن، كما يلتقطون صورًا للدرج ومنطقة الانتظار. ووصفت دي كروز المكان بأنه «خاص فعلًا»، مؤكدة أن الركاب يريدون رؤيته باستمرار.
طائرة قوية لكنها مكلفة
دخلت A346 الخدمة عام 2002، وصُممت لمنافسة بوينغ 747 وربط مدن بعيدة كانت طائرات المحركين في ذلك الوقت تُعد غير قادرة على الوصول إليها بأمان. كما تجاوز مداها مدى طائرة A340-300 الأقصر، التي كان يُستهزأ بمحركاتها الضعيفة وتُشبَّه بمجففات الشعر. أما قوة المحركات فلم تكن مشكلة بالنسبة إلى A346، التي احتفظت بأربعة محركات ضخمة.
لكن الطائرة لم تحقق نجاحًا تجاريًا كبيرًا؛ فقد أُنتج أقل من 100 طائرة منها، في حين صنعت بوينغ آلاف الطائرات من أجيالها المنافسة المختلفة. وبعد طرح بوينغ لطائرة 777-300ER عام 2004، بدا لكثيرين أن طائرة إيرباص أصبحت متأخرة عن عصرها، إذ قدمت 777-300ER السعة نفسها والمدى ذاته تقريبًا باستخدام محركين فقط، أي نصف عدد محركات A346.
وكان يفترض أن تكون الطائرات الأربع الأخيرة التي واصلت لوفتهانزا تشغيلها قد خرجت من الخدمة منذ فترة. فقد أخرجتها الشركة من الخدمة بعد توقف السفر الدولي تقريبًا خلال جائحة كورونا، وطلبت عشرات الطائرات الحديثة الأقل استهلاكًا للوقود. لكن تسليم معظم الطائرات الجديدة تأخر سنوات، ما دفع لوفتهانزا إلى إعادة A346 للخدمة لتلبية الطلب المتزايد على السفر بعد الجائحة.
وقال فرانشيسكو شيورتينو، عضو مجلس إدارة لوفتهانزا وقائد الرحلة الأخيرة من مطار واشنطن دالاس، إن الرحلة كانت «حالة خاصة» للشركة. وساعد في إعادة تشغيل الطائرة وجود طيارين ما زالوا مخولين بقيادتها، إلى جانب موثوقيتها. لكنه أضاف أن هذه المرحلة «كان ينبغي أن تنتهي منذ وقت طويل»، مؤكدًا أن وقت التقاعد قد حان.
ويرى شيورتينو أن الطيارين سيتذكرون بحنين الأيام التي قادوها على متن الطائرات ذات المحركات الأربعة، لكنه قال إن الراكب العادي الذي لا يهتم بالطائرات «لن يفتقد شيئًا، بصراحة».
تصميم لا يشبه الطائرات الأخرى
على عكس معظم الطائرات الحديثة التي تكاد تتشابه بصريًا، كانت A346 لافتة بمجرد رؤيتها في السماء. فقد حملت لأكثر من عقد لقب أطول هيكل لطائرة في العالم، ببدن يبلغ طوله 75 مترًا، ويبدو أطول مما هو عليه بسبب ضيقه مقارنة بطوله. ويروي بعض ركاب الصفوف الخلفية أنهم كانوا يرون مقدمة الطائرة ترتفع نحو السماء أثناء الإقلاع قبل أن يشعروا بأن الجزء الذي يجلسون فيه قد غادر الأرض.
وقال كاميرون ستون، وهو موظف خدمات أرضية يبلغ 23 عامًا ويعيش في ساكرامنتو بولاية كاليفورنيا، إن A346 من الطائرات التي يستطيع المرء معرفة طرازها فورًا ومن دون تردد بمجرد رؤيتها في السماء.
وفي أغسطس/آب، اختار ستون مسارًا طويلًا للوصول من برلين إلى كاليفورنيا بدل الاكتفاء برحلة تتضمن توقفًا واحدًا. سافر من العاصمة الألمانية إلى فرانكفورت، ثم استقل A346 إلى مطار واشنطن دالاس، قبل أن يتابع إلى لوس أنجلوس، ومن هناك إلى ساكرامنتو في شمال الولاية. وقال إن الطائرة «استثنائية فعلًا».
أما الطيار كريس بول، البالغ 63 عامًا والمقيم في جنوب فرنسا، فوصفها بأنها «آلة مذهلة حقًا، أشبه بوحش». ويقود بول طائرات إيرباص منذ 37 عامًا، وكان من أوائل قادة الطائرات الذين حصلوا على شهادة قيادة A346، كما يدير حسابًا شهيرًا للطيران على إنستغرام.
وقال بول إن الطيارين كانوا يسمونها «الجميلة والوحش»، لأنها طائرة جميلة، لكن تحت جناحيها أربعة محركات رولز-رويس ضخمة. وأضاف أن قوة هذه المحركات كانت كبيرة إلى حد أن فقدان أحدها أثناء عبور المحيط الأطلسي لم يكن سيمنع الطائرة من مواصلة الصعود إلى ارتفاع أكثر كفاءة في استهلاك الوقود.
فإن هذه القوة جاءت على حساب الكفاءة؛ إذ تستهلك A346 وقودًا يزيد بما يصل إلى 40 في المئة مقارنة بأكثر طائرات إيرباص الحديثة ذات البدن العريض تطورًا.
معجبون وجدوا الرحلة الأخيرة بالصدفة
لم يخطط جيسون ستين، وهو كاتب إعلانات يبلغ 32 عامًا ويعيش في مدينة كلوج نابوكا الرومانية، للسفر على متن A346. ففي أغسطس/آب، وبينما كان يستعد للسفر إلى نيويورك من أجل العمل، فوجئ عندما اكتشف أن جدول رحلته يتضمن هذه الطائرة.
وقال ستين إنه كان يتحدث بحماس إلى أفراد الطاقم الأرضي عن الطائرة أثناء صعوده إليها، لكنهم نظروا إليه باستغراب، وكأنهم يقولون له: «إنها مجرد طائرة». ومع ذلك، جعل انتهاء تشغيل A346 لدى لوفتهانزا هذه الرحلة العابرة للصدفة جزءًا من وداع عالمي لطائرة لم تكن الأسرع أو الأحدث أو الأكثر أناقة، لكنها امتلكت تصميمًا وقوة وخصوصية صنعت لها جمهورًا شديد الوفاء.
المصدر: gazeteoksijen