أعادت سلسلة حوادث شهدتها مدارس تركية، كان أحدثها في منطقة طوشبا بولاية وان، الجدل حول كفاية الإجراءات الأمنية وحدها؛ إذ وصلت طالبة إلى المدرسة وهي تحمل سلاحًا طويل الماسورة، قبل أن يتمكن معلمون وأولياء أمور من انتزاعه منها. وتأتي الواقعة بعد حوادث مماثلة في تشكمكوي وشانلي أورفا وكهرمان مرعش ومانيسا، فيما بدأت المدارس تطبيق تدابير أمنية شملت توظيف 30 ألف عامل في ساحات المدارس.
ناقش موقع TEDMEM، وهو مركز الأبحاث التابع لجمعية التعليم التركية (TED)، ظاهرة الاعتداءات المدرسية مع Dr. Nilgün Demirci Celep، التي حذرت من أن وضع الشرطة عند بوابة المدرسة لا يكفي لمنع العنف.
الأمن وحده لا يعالج أصل المشكلة
وقالت Celep إن زيادة عدد الكاميرات، ووضع أجهزة كشف عند الأبواب، أو نشر الشرطة أمام المدارس قد يؤدي إلى كبح أعراض المشكلة، لكنه لا يعالج أسبابها. وأوضحت أن العنف المدرسي ليس مجرد مسألة انضباط، بل قد يكون تعبيرًا عن مشكلات فردية وعلاقية ومؤسسية ومجتمعية متداخلة.
وترى الخبيرة أن المدرسة الآمنة لا تقتصر على إبعاد المخاطر المادية، بل يجب أن تكون بيئة تعليمية يشعر فيها الطفل بأنه ذو قيمة، وينتمي إلى المكان، ويحصل على الدعم. كما شددت على أن العنف لا يتوقف عند حدود المدرسة، داعية إلى النظر في علاقات الطلاب بأقرانهم، والبيئة المحيطة، ومدى ارتباطهم بالمدرسة، إضافة إلى العالم الرقمي.
وأشارت إلى ضرورة اكتشاف الأطفال الذين ترتفع معدلات غيابهم، أو تضعف صلتهم بالمدرسة، أو يبدأون في التعامل مع العنف بوصفه أمرًا طبيعيًا داخل البيئات الرقمية، في وقت مبكر. كما أكدت أن مؤشرات الخطر يجب أن تُستخدم لتحديد من يحتاج إلى الدعم، لا لوصم الطلاب أو تصنيفهم.
تجربة أميركية مكلفة ونتيجة عكسية
وتستند التحذيرات من الاكتفاء بالتدابير الأمنية إلى تجربة الولايات المتحدة بعد هجوم كولومباين عام 1999. فقد أنفقت المدارس الأميركية مليارات الدولارات على أجهزة كشف المعادن، والكاميرات، وأنظمة الدخول المراقبة، وحراس الأمن، وتُقدَّر نفقاتها السنوية على هذه الإجراءات بأكثر من 4 مليارات دولار.
لكن أكثر من 25 عامًا من تطبيق هذه التدابير أثارت نقاشًا حول حدود الأمن المادي في منع العنف المدرسي. وخلصت دراسة فحصت 133 هجومًا على مدارس خلال الفترة الممتدة من 1980 إلى 2019 إلى أن وجود أفراد مسلحين داخل المدارس لم يخفض شدة الهجمات.
وبحسب نتائج الدراسة، كان معدل الوفيات في المدارس التي يوجد فيها حراس مسلحون أعلى بنحو 2.83 مرة، بينما لم تُسجَّب انخفاضات ذات دلالة في أعداد الإصابات. ولا تعني هذه النتائج أن الإجراءات الأمنية بلا قيمة، لكنها تشير إلى أن وجود السلاح أو الحراسة المسلحة لا يكفي وحده لمنع الهجمات أو تقليل ضحاياها.
العنف يبدأ خارج بوابة المدرسة
وفيما تواصل المدارس التركية تشديد إجراءات الدخول والحماية عقب توالي الوقائع، أكدت Celep أن مواجهة العنف مسؤولية مشتركة لا تقع على إدارات المدارس والأجهزة الأمنية فقط. ودعت إلى دمج أدوار قطاعات التعليم والأمن والخدمات الاجتماعية والصحة والأسرة ضمن استجابة واحدة.
كما تضمن النقاش حول حادثة مانيسا تحذيرًا من دور «الغرف الافتراضية» والمنصات الرقمية في تغذية العنف، مع الإشارة إلى أن مشاهد الموت داخل الألعاب قد تنتقل، في بعض الحالات، من العالم الافتراضي إلى الواقع. وبذلك، فإن حماية المدرسة تتطلب رصد ما يحدث حول الطالب وداخل علاقاته وبيئته الرقمية، إلى جانب الإجراءات الموضوعة عند البوابات.
المصدر: Türkiye Gazetesi